لكتاب « الملل والنحل » : إنه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه ، إلّا أنه غير معتمد عليه ، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى « بالفرق بين الفرق » من تصانيف الأستاذ أبي منصور البغدادي ، وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين ، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الصحيح . ثم إن الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب ، فلهذا السبب وقع الخلل فيه .
وعلى أي حال ، فإن موضوع الفرق يحتاج إلى دقة في البحث وتأمل في سير الحوادث والتطور . وهو إلى الآن لم ينل دراسة عادلة ، وخوضا دقيقا وغربلة وتمحيصا ، فإن حصر الفرق الإسلامية بهذا العدد غير وجيه ، والحديث الذي يشير إلى تعددها فيه مناقشة من حيث الدلالة والسند ، لاختلاف ألفاظه وإن كثرت طرقه .
وعسى أن ينال هذا الموضوع دراسة دقيقة لطرح الزوائد ، وإيضاح دسائس المغرضين ، وبيان خطأ المؤرخين في ذلك .
ومن الغريب أن ينفرد الدكتور أحمد أمين في كتابه « ظهر الإسلام » يعدّ القرامطة والزنج من فرق الشيعة ! بل لا غرابة في تجاوز الدكتور وتحدّيه للشيعة ، فقد برهن على تعصّبه الشائن وتجاهله المعيب ، إذ هو كما يقول الشاعر :
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن علموا * شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
ويؤلمني أن أقول : إن الدكتور يفقد توازنه عندما يتناول الشيعة بالبحث كما يتجرّد عن جميع معلوماته ، ويتخلّى عن تفكيره وإدراكه ، وكان بوسعه أن يدقّق ويبحث كأديب أو مؤرخ ، ولكنه مقلد للمستشرقين الذين يتقوّلون على المسلمين ويثيرون الفتن ويفتعلون الأقاويل .
كما كان بوسعه أن يتثبت وأن يقارن بين عقائد الشيعة وعقائد القرامطة والزنوج ، إن وجد مصدرا يذكر ذلك .
وكم كان يسعدنا لو أثبت ما أدّى إليه الحوار معه ، ودوّن ما أقره على نفسه من تعصّب وتحامل ، وأنجز ما وعد من إعلان العدول عن أقواله .
حول فرق الغلاة :
تركنا البحث هنا عن فرق الغلاة ، اكتفاء بما مرّ في الأجزاء السابقة ، وسيأتي في الجزء الرابع مزيد بيان . وقد ذكرنا هناك أن حركتهم كانت ضد الإسلام بصورة عامة ،