وإن الثورة الدموية ضدهم لا تعود على المجتمع إلّا بالضرر ، لأنّهم أناس عرفوا بالقسوة وسوء الانتقام ، ولهم أعوان يشدّون أزرهم ، وأنصار يدافعون دونهم ، فالإمام الصّادق عليه السّلام كان يهتم بإصلاح الوضع الداخلي . فكان يرسل وصاياه عامة شاملة ، وينطق بالحكمة عن إخلاص وصفاء نفس ، وحب للصالح العام ليعالج المشاكل الاجتماعية . وانتظم من أصحابه رجال عهد إليهم بمهمات الإصلاح ، وكلّفهم بأعمال الخير ، كما كوّن منهم معلّمين ورواة في ظل مدرسته ، ومجاهدين ودعاة في مسير ركبه . كان عليه السّلام يدعو الناس إلى الورع عن محارم اللّه والخوف منه تعالى والامتثال لأوامره ، والشعور بالمسؤولية أمام اللّه تعالى ، وجعل يوم الحساب ماثلا أمام أعينهم ، مع حثّهم على التكسب وطلب الرزق كما كان يحث على العمل ويعمل بنفسه ، وينهى عن الكسل والبطالة . ويأمر بطلب الرزق كما أمر اللّه تعالى .
يحدّثنا العلاء بن كامل : أنّه جاء إلى الإمام الصّادق عليه السّلام فقال له : يا أبا عبد اللّه ادع اللّه أن يرزقني في دعة .
فقال عليه السّلام : « لا أدعو لك ، أطلب كما أمرك اللّه ورسوله » .
وعلى أي حال فإن حكم الإمام ووصاياه تشرق على وجه الزمان إلى آخر الزمان ، وقد ذكرنا في الجزء الثاني طرفا منها ، ونحن هنا نذكر بعض ما لم نذكره في ذلك الجزء من تلك الوصايا القيّمة ، والحكم الخالدة ، سواء كانت عامة شاملة يرسلها إلى الأطراف النائية ، أم كانت وصايا خاصة لبعض الأفراد ، وهي كالأولى في عمومها وشمولها ، وإليك طرفا من ذلك .
[ وصايا الإمام الصادق ع ]
وصية عامة إلى جميع أصحابه :
« صبّروا النفس على البلاء في الدنيا ، فإن تتابع البلاء فيها ، والشدة في طاعة اللّه وولايته ، وولاية من أمر بولايته ، خير عاقبة عند اللّه في الآخرة ، من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها ، وزهرتها وغضارة عيشها في معصية اللّه وولاية من نهى اللّه عن ولايته وطاعته ، فإن اللّه أمر بولاية الأئمة الذين سمّاهم في كتابه بقوله :
وجَعَلْناهُم أَئِمَّةً يَهْدُون بِأَمْرِنا
. . .
إن اللّه أتم لكم ما آتاكم من الخير . واعلموا أنّه ليس من علم اللّه ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق في دينه بهوى ولا رأي ولا مقاييس ، قد أنزل اللّه القرآن وجعل فيه