يا هشام ، عليك بالرفق ، فإن الرفق يمن ، والخرق شؤم ، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ، ويزيد في الأعمار .
يا هشام ، إن مثل الدنيا مثل الحية مسّها ليّن ، وفي جوفها السم القاتل . يحذرها الرجال ذوو العقول ، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم .
يا هشام ، إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصّفا ، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبّار ، لأن اللّه جعل التواضع آلة العقل ، وجعل التكبر آلة الجهل ، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف شجّه ، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنّه ، وكذلك من لم يتواضع للّه خفضه اللّه ومن تواضع للّه رفعه .
يا هشام ، إياك ومخالطة الناس والأنس بهم ، إلّا أن تجد بهم عاقلا ومأمونا فآنس به ، واهرب من سائرهم كهربك من سباع الضارية . وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحي من اللّه . وإذا مرّ بك أمران لا تدري أيهما خير وأصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه ، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك .
يا هشام ، من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه . وما أوتي عبد علما فازداد من الدنيا حبا إلّا ازداد من اللّه بعدا ، وازداد اللّه عليه غضبا .
يا هشام ، إياك والطمع ، وعليك باليأس مما في أيدي الناس ، وأمت الطمع من المخلوقين ، فإن الطمع مفتاح للذل واختلاس العقل ، واختلاق المروءات وتدنيس العرض ، والذهاب بالعلم . وعليك بالاعتصام بربك والتوكّل عليه ، وجاهد نفسك لتردّها عن هواها ، فإنّه واجب عليك كجهاد عدوك » .
قال هشام : قلت أي الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟
قال عليه السّلام : « أقربهم إليك ، وأعداهم لك ، وأضرّهم بك ، وأعظمهم لك عداوة ، وأخفاهم لك شخصا - مع دنوه منك . . . » .
يا هشام ، من أكرمه اللّه بثلاث فقد لطف له : عقل يكفيه مئونة هواه ، وعلم يكفيه مئونة جهله ، وغنى يكفيه مخافة الفقر .
يا هشام ، احذر هذه الدنيا واحذر أهلها ، فإن الناس فيها على أربعة أصناف :
رجل متردي معانق لهواه ، ومتعلّم مقرئ كلما ازداد علما ازداد كبرا يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه ، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته ، يحب أن
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 106
مساهمون: اسد حيدر
ص١٠٦