وكثير من هذا الخبط والخلط ، مما يطول بنا الحديث عنه والحديث شجون .
ولنعد إلى الحديث عن هشام ومكانته ، ونرى من الخير أن نذكر هنا وصية الإمام موسى بن جعفر له ، فهي من غرر الوصايا ، وجوامع الكلم ، وعلى ضوئها نأخذ صورة عن منزلة هشام .
وقد اقتطفنا منها قليلا ، وهي طويلة :
وصية الإمام موسى له :
قال الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام موصيا هشاما :
« يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسّلامة في الدين ، فليتضرع إلى اللّه في مسألته بأن يكمل له عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا .
يا هشام ، من صدق لسانه زكى عمله ، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ، ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ في عمره .
يا هشام ، لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم .
يا هشام ، كما تركوا لكم الحكمة ؛ فاتركوا لهم الدنيا .
يا هشام ، إن أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقول : لا يجلس في صدر المجلس إلّا رجل فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل ، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله . فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهو أحمق .
يا هشام ، إن العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يعد ما لا يقدر عليه ، ولا يرجو ما يعنّف برجائه ، ولا يتقدّم على ما يخاف لعجز عنه .
يا هشام ، رحم اللّه من استحيا من اللّه حق الحياء فحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وذكر الموت والبلى ، وعلم أن الجنّة محفوفة بالمكاره ، والنار محفوفة بالشهوات .
يا هشام ، من كف نفسه عن أعراض الناس أقال اللّه عثرته يوم القيامة ، ومن كف غضبه عن الناس كف اللّه عنه غضبه يوم القيامة .
يا هشام ، تعلّم من العلم ما جهلت ، وعلّم الجاهل مما علمت . عظّم العالم لعلمه ، وصغّر الجاهل لجهله ولا تطرده ، ولكن قرّبه وعلّمه .