التي زرعوها في حقول التاريخ فاجتنت ثمرتها الأجيال ؛ فكان من أثر تسمم الثمرة أن يهاجمنا في كل آونة بعض من أبناء هذا العصر ممن أخذ التقليد بعنقه . فسيّره طوع إرادته ، وحرمه حرية التفكير ، ولكنا لا نود مقابلته بل نمرّ على ما نقرأ له مرّ الكرام ، داعين اللّه له بالشفاء من الأمراض العقلية .
وصفوة القول : إن تلك العصور التي عظم فيها التطاحن قد كدّرت صفو الأخوة ، وغيّرت مجرى الواقع . والشيء الذي نود أن ننبّه عليه في ختام هذا العرض :
هو أنّه لما لم يكن الاتهام مبنيا على أساس وثيق ، وقاعدة بيّنة ، كثر الخلط والخبط ، ولم يفرقوا بين السليم والسقيم ، والمتهم والبريء . وإليك أمثلة من ذلك :
1 - إن اسم الجعفرية أصبح علما لأتباع جعفر بن محمّد الصّادق ، وبه يعرفون .
وتوجد هناك فرقتان من المعتزلة عرفتا بالجعفرية :
الأولى : أتباع جعفر بن حرب الثقفي المتوفى سنة 224 ه .
والثانية : أتباع جعفر بن مبشر الهمداني المتوفى سنة 226 ه ، وكلاهما من المعتزلة ولهما آراء وأقوال شاذة اشتهرت عنهما ، وتناقلها الناس ، وتبعهما على ذلك خلق عرفوا بالجعفرية ، فجاء من لا يفرق بين الحق والباطل ولا يعرف إلّا اتباع هواه ، فخلط هذين الفرقتين مع الفرقة الجعفرية الشيعية ، ونسب تلك الأقوال الشاذة إليهم بدون تفكير وتدبر ! ! 2 - قولهم في المفضل بن عمر أنّه كان يلعب بالحمام ، وإنه من أصحاب أبي الخطاب ، مع العلم بأن المفضل هو أجل من ذلك ، ولكنهم لم يفرّقوا بينه وبين المفضّل بن عمر الصيرفي ، الذي كان من الخطابية ومن المخالفين لقواعد الإسلام ، فخلطوا بين هذا وذاك ولم يهتدوا للتفرقة ، ولعل أكثرهم يتعمد ذلك للوقيعة في المفضل ، لأنه شيعي من خواص الإمام الصّادق .
3 - إن من المعتزلة فرقة تعرف بالهشامية ، وهم أصحاب هشام بن عمر الفوطي ، وكان معاصرا لهشام بن الحكم ، وقد ذهب إلى أشياء منكرة .
وأنت عند مراجعتك لما اتهم به هشام من تلك الأمور المفتعلة تجد أكثرها من أقوال الفوطي ، لأنهم خلطوا في ذلك ، ولم يفرّقوا بين هشام بن الحكم وبين هشام بن عمرو الفوطي ! !
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 104
مساهمون: اسد حيدر
ص١٠٤