يعظّم ويوقّر ، وذو بصيرة ولا يقدر على القيام بما يعرفه فهو محزون مغموم بذلك ، فهو أمثل أهل زمانه وأوجبهم عقلا » .
ثم ذكر عليه السّلام العقل وجنده والجهل وجنده . وتركنا ذلك اختصارا .
وخلاصة القول :
إن هشام بن الحكم قد عز بولائه لأهل البيت ، وناظر جميع أهل الفرق في التوحيد والإمامة ، وضحّى براحته في سبيل مبدئه ، وبذل أقصى الجهد من أجل إصلاح العقيدة والقضاء على البدعة . وكان يستمد تعاليمه من ينبوع أهل بيت النبوة ، هداة الخلق ، وأئمة العدل . وقد لقي العنت من حساده ومنافسيه ، وكان عرضة للخطر من قبل سلطان عصره حتى أصبح مشردا عن البلاد . وقد طلبه هارون الرشيد أشد الطلب حتى أدركه الموت بالكوفة مختفيا ، وأوصى أن يحمل في جوف الليل ، ويدفن بالكناسة ، وتكتب رقعة على قبره : هذا قبر هشام بن الحكم - الذي طلبه أمير المؤمنين - مات حتف أنفه .
وبلغ هارون الرشيد ذلك فقال : الحمد للّه الذي كفانا أمره . وكان هارون قد أخذ به خلقا كثيرا من تلامذته وأصحابه ، ومنهم إخوانه . فأفرج عنهم بعد موته وأطلقهم .
لقد كان هشام من المفكّرين المصلحين ، الذين خدموا الأمّة بإخلاص النية وصدق العزيمة ورجاحة الرأي . وله القدح المعلى في نصرة مذهب أهل البيت ، وإنك عندما تتبع آثاره الخالدة تجده يلتفت إلى النوادر من الفروع . وإلى الغوامض من المسائل ، وله كلمات خالدة ذكرها العلماء في مختلف المواضيع : في التوحيد ، والنبوة والإمامة ، وقد ضاق المجال عن استقصائها .
وقد كانت لي رغبة شديدة في إحياء مآثره والإحاطة بدراسة شخصيته دراسة وافية غير أني لما وجدت الشيخ محمّد حسين المظفر قد كتب رسالة كبيرة قيمة فيه .
تركت الميدان لفارس الحلبة . فرحم اللّه هشاما ، لقد أوذي في سبيل نصرة الحق ، وكان من
الَّذِين آمَنُوا ولَم يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْم أُولئِك لَهُم الْأَمْن وهُم مُهْتَدُون
« 1 » . وهنا ينتهي حديثنا عن أصحاب الإمام الصّادق ، ولم نذكر كثيرا منهم طلبا للاختصار . وستأتي الإشارة إلى الأعيان منهم كهشام بن سالم الجواليقي ، وهشام بن الأحمر ، وهشام بن المثنّى الرازي ، وغيرهم ، وباللّه نستعين ومنه نستمد التوفيق .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام آية 82 .