من غادر لم أكن يوما أسرّ به * غدرا وما الغدر من شأن الفتى العربي
وحافظ العهد يبدي صفحتي فرح * للكاشحين ويخفي وجد مكتئب
بانوا قبابا وأحبابا تصونهم * عن النواظر أطراف القنا السلب
وخلّفوا عاشقا ملقى رمى خلسا * بطرفه خدر من يهوى فلم يصب
ألقى النحول عليه برده فغدا * كأنه ما نسوا في الدار من طنب
لهفي لما استودعت تلك القباب وما * حجبن من قضب عنا ومن كثب
من كل هيفاء أعطاف هضيم حشى * لعساء مرتشف غراء منتقب
كأنما ثغرها وهنا وريقتها * ما ضمت الكاس من راح ومن حبب
وفي الخدور بدور لو برزن لنا * برّدن كل حشى بالوجد ملتهب
وفي حشاي غليل بات يضرمه * شوق إلى برد ذاك الظلم والشنب
يا راقد اللوعة أهبب من كراك فقد * بان الخليط ويا مضني الغرام ثب
أما وعصر هوى دبّ العزاء له * ريب المنون وغالته يد النوب
لاشرقن بدمعي إن نأت بهم * دار ولم أقض ما في النفس من أرب
ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد * لكن بقائي وقد بانوا من العجب
شبت ابن عشرين عاما والفراق له * سهم متى ما يصب شمل الفتى يشب
ما هزّ عطفي من شوق إلى وطني * ولا اعتراني من وجد ومن طرب
مثل اشتياقي من بعد ومنتزح * إلى الغري وما فيه من الحسب
أزكى ثرى ضمّ أزكى العالمين فذا * خير الرجال وهذا أشرف الترب
إن كان عن ناظري بالغيب محتجبا * فإنه عن ضميري غير محتجب
مرّت عليه ضروع المزن رائحة * من الجنوب فروّته من الحلب
من كل مقربة إقراب مرزمة * ارزام صادية الأزواد والقرب
يذيبها حرّ نيران البروق وما * لهن تحت سجاليها من اللهب
بل جاد ما ضم ذاك الترب من شرف * مزن المدامع من جار ومنسكب
تهفو اشتياقا اليه كل جارحة * مني ولا مثلما تجتاح في رحب
ولو تكون لي الأيام مسعدة * لطاب لي عنده بعدي ومقتربي
أدب الطف أو شعراء الحسين ( ع ) — صفحة 173
مساهمون: جواد شبر
ص١٧٣