تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وإليه ترجع الأمور ، ويرجع الخلق للحساب والجزاء . هذه صورة « الألوهية » كما تتضح في القرآن الكريم ، تعرض ببساطة ووضوح ، دون تعقيد أو غموض ، فليس فيها شيء مما أصاب انحرافات الديانات الأخرى ، فهي تهزّ أعماق الإنسان ، لأنها تدرك بلا كدّ أو إرهاق ذهني ، تخاطب بها الفطرة ، فتستجيب لها . يقول الله سبحانه وتعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
الإخلاص : 1 - 4 . فحقيقة الألوهية هي « التوحيد » تصوّر هنا بوضوح وصفاء ، من خلال الاعتماد على أسلوبي الإثبات والنفي ، والمدركات الحسية القريبة من الأفهام ، فتبلغ بذلك أجمل تصوّر للألوهية وأروعه وأعظمه . ولكنّ الفطرة قد تنحرف في تصورها عن الألوهية ، كما وقع للنصارى واليهود ، وقد صوّر لنا القرآن هذا الانحراف بقول الله جلّ وعلا :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
التوبة : 30 . وصورة قولهم بالأفواه صورة حسية يستحضرها القرآن على طريقته التصويرية لكي تصبح مسموعة ومرئية حتى يدرك الإنسان بشاعتها ، كما أنها توحي بأن هذا قول بالأفواه ولا رصيد له من الواقع . وقد يقابل القرآن الكريم بين الصورتين المتناقضتين عن الألوهية ، كقوله تعالى :
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
يونس : 68 . فالمقابلة بين الصورتين - على ما بينهما من تباين - يقصد بها تحريك العقل ليدرك حقيقة الألوهية بصورة صحيحة . فالصورة الفاسدة المرسومة في أذهان النصارى واليهود عن الألوهية ، تنطلق من تصوّر الألوهية من خلال الطبيعة البشرية المحتاجة إلى الامتداد في الأولاد ، ولم يدرك هؤلاء الفارق بين صورة الخالق ، وصورة المخلوق ، فحقيقة الألوهية باقية خالدة ، والبقاء أو الخلود في غنى عن الأولاد ، بينما الإنسان الفاني بحاجة إلى الأولاد ليشعر بالامتداد عبر أولاده .