وساعده الله في اختيار الخير ب « الفطرة » الأصلية في كيانه ، وهي فطرة تدعوه إلى الخير والإيمان ، ولكن هذه الفطرة يعلوها ركام الأهواء والشهوات ، فتختفي وراء هذا الركام الثقيل ، وتظل تنتظر انتفاضها من تحت ركام الجهل والغواية والأهواء ، لتوجه الإنسان نحو الخير والهدى والإيمان ، ومن أجل مساعدة الإنسان على الاختيار ، أنزل الله القرآن الكريم ، يخاطب به فطرة الإنسان ، من خلال اعتماده على الصورة الفنية ، الأداة المفضلة في أسلوبه المعجز .
فخاطب الفطرة بمشاهد الطبيعة ، والأمثال ، والأحداث الواقعة ، والقصص الماضية ، ومشاهد القيامة ، والنماذج الإنسانية . . وكلها تهدف إلى تحقيق الأغراض الدينية من وراء التصوير الفني لها .
فالوظيفة الدينية هي الأساس لكل الوظائف الأخرى ، وهي التي تميّز الصورة الفنية في القرآن الكريم عن الصورة في الأدب .
فالصورة في القرآن تحمل فكرا دينيا ، واضح المعالم والسمات ، يكسب الصورة التي تحمله وحدة وانسجاما مع بقية الوظائف ، أو هي الرباط المتين الذي يشدّ الوظائف بعضها إلى بعض ضمن نظام العلاقات والوشائج الذي تقوم عليه الصورة ، وهذا ما يضفي عليها شمولا وتوازنا وإيجابية وواقعية ، وهي تصوّر الحقائق الدينية ، وتخاطب بها عقل الإنسان ووجدانه ، فتحاول إقناعه والتأثير فيه .
وهذه الصورة هي الأداة المناسبة لمخاطبة الكينونة الإنسانية ، بما فيها من طاقات عقلية وحسية ونفسية ، واستعدادات واتجاهات ، لأنها تدخل إلى الفطرة والنفس الإنسانية ، بلغة فنية موحية . فيها التصوير الموحي ، والإيقاع المؤثر ، والإيحاء المعبر ، والحركة ، والظلال ، والألوان ، المصاحبة للصورة . وقد بلغت الصورة في القرآن حدا معجزا تشكيلا ووظيفة .
والقضية الأساسية في القرآن الكريم هي « قضية الألوهية » فقد جاء القرآن الكريم ليعرّف الإنسان ، بخالقه ، وخالق الوجود ، والكون والحياة ، ويعرّفه ، بصفاته ، وأفعاله ، وقدرته وآثار قدرته ، في الحياة والإنسان والكون .
من هنا نلاحظ أن الصورة القرآنية تركّز على هذه القضية « الألوهية » فتوضحها ، وتبرز آثارها ، في مشاهد الطبيعة ، والأمثال ، والقصص ، والحوادث ، ومشاهد القيامة . . . كما تعنى
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 458
مساهمون: عبد السلام احمد الراغب
ص٤٥٨