تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
والقسم الثالث : الأسماء التي تجمع بين الجمالية والجلالية ، مثل الحكيم ، الوكيل ، العدل ، الخبير . . . « 1 » وهذه الأسماء الجمالية والجلالية ، تعرض في الصور الفنية ، لتبلغ أسمى الكمال وأعلاه وهي ترد في التعبير والتصوير ، وفي التعقيب على التصوير والتعبير ، في الفواصل القرآنية كقوله تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
الأنعام : 101 . وقد تدور الآية كلها حول تقريب صورة الألوهية من الأذهان كقوله تعالى :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
البقرة : 255 . ويعتمد التصوير هنا على التجريد والتنزيه ، فيبدأ بأجل الأسماء وهو « الله » ثم تعرض صفات الله بأسلوب جميل متناسق . وأسلوب القصر « إلا هو » يزيد من وضوح الوحدانية في الأذهان ، ثم عدّد صفات الله بصور تنفي عنه الشبيه والمثيل ، فهو الحي حياة مطلقة أزلية تليق بجلاله ، والقيوم القائم على كل شيء والمتصرف فيه ، والمدبّر للأمور ، والأرزاق . . . وتؤكد الصورة على التجريد والتنزيه ، فتنفي عنه النوم نفيا مطلقا بنوعيه الخفيف والعميق ،
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
وهذه الصورة تقريبية ، تؤكد قيامه على كل شيء في الحياة ، واطلاعه عليه . كما أنه مالك للسماوات والأرض وما فيهن ، ثم إنه لا شريك له في ملكه
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
فهو واحد أحد ، فرد صمد . كما أنه يحيط علمه كل شيء ، وهو علم مطلق ، والإنسان ، مكشوف أمام ربه في سلوكه وشعوره ، ثم تأتي الصورة الأخرى للدلالة على هيمنته على الكون في سياق التجريد المطلق
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
توحي بالملك والسلطان ، ثم صورة أخرى
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
توحي بالقدرة المطلقة المنزهة عن الجهد والتعب في حفظ السماوات والأرض . ثم يأتي التعقيب ، مؤكدا علوه وعظمته ، وهذا التعقيب متناسق مع جوّ الصورة التجريدية
هامش
( 1 ) الظاهرة الجمالية في القرآن : د . نذير حمدان . ص 243 - 248 .