وهو مشهد حيّ يعرض كأنّه حاضر . نراه في حركة دخول الملائكة من كل باب ، وهم يلقون التحية والسلام ، ويذكرونهم بما كان منهم من صبر على العمل الصالح .
ومن نعم الجنة ، كثرة الأنهار الجارية فيها ، وهي أنهار متنوّعة . يقول تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
محمد : 15 .
فالشراب يناسب كل الأذواق ، والله أعلم بما يفضله البشر من أنواع النعيم الحسي .
لذلك جاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر ، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة .
والمشهد هنا كلّه أشربة ، وهي أنهار أيضا ، لتوحي بالكثرة والوفرة ، والديمومة وعدم الانقطاع . ولكنّ هذه الأشربة ، وإن كانت معروفة لدى الناس في الدنيا ، طعمها مختلف ، ونوعها أجود ، ثم تضاف أنواع الثمرات ، إلى مشهد الشراب ، ليكتمل النعيم الحسي ، وقد تركت الثمرات مجملة بدون تفصيل لاستثارة الخيال ، كي يستحضر أنواعها ، وطعومها ، وألوانها وأشكالها . وهناك النعيم المعنوي إلى جانب النعيم الحسي ، ويتمثّل في المغفرة من الله .
وإلى جانب أنهار الجنة ، هناك العيون الكثيرة . قال تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
الحجر : 45 ،
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ
المرسلات : 41 ،
فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ
الرحمن : 50 ،
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
الرحمن : 66 ،
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ ، يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
الإنسان : 5 - 6 ،
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
المطففين : 28 ،
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
الإنسان : 18 .
وهذا التنويع للعيون ، يقصد به مراعاة ، مراتب أهل الجنة ، من ناحية ، وحثّ الإنسان ، واستثارة عاطفته لهذا النعيم الخاص ، من ناحية أخرى .
كما أنّ الصورة ، تناولت « بناء الجنة » على شكل غرف حينا ، وقصور ضخمة ، أو مساكن ، حينا آخر ، قال تعالى :
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
التوبة : 72 ،
وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
سبأ : 37 ،
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً
الفرقان : 75 .
وهي غرف مبنية بعضها فوق بعض على شاكلة القصور
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ
الزمر : 20 .