تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
وبهذا المشهد يكتمل تصوير أهل النار ، وما هم عليه من ألوان العذاب ، فلا خروج ، ولا إفلات ، ولا تخفيف من العذاب ، بل هو عذاب دائم خالد ، في نار حامية ، كثيفة الدخان ، تحرق الأجساد ، وتكويها . وهكذا رأينا كيف تكمل الصور بعضها بعضا في رسم أهوال النار ، ابتداء من سعتها وأبوابها الموصدة ، ووقودها الناس والحجارة ، وشدة حرّها وزفيرها وكثافة دخانها الخانق ، وضخامة شرارها المتطاير ، وإحاطتها بأهلها إحاطة تامة ، وإغلاق أبوابها عليهم ، وتقييدهم بالسلاسل والأغلال والأصفاد ، وأذاقتهم أنواعا من العذاب ، مثل إنضاج الجلود ، ولفح الوجوه وتقليبها ، وسحبها ، وطعام الزقوم ، وشرب الحميم ، ومقامع الحديد ، وانتهاء بمجالس أهل النار ومشاهدهم فيها كما بينا مما يؤكد نظام العلاقات بين الصور في تحقيق وظائف الصورة . وتقابل مشاهد العذاب في النار ، مشاهد النعيم في الجنة ، وهي مشاهد حية شاخصة ، وكأنّها حاضرة . وصور النعيم أيضا تسير على نظام العلاقات ، لتحقيق وظيفة الصورة الدينية كما بيّنا سابقا . وهي مستمدّة من مألوف الناس ، وما تعارفوا عليه من أنواع النعيم ، كما كانت في مشاهد العذاب أيضا ، ولكن القرآن الكريم يرقى بهذه الصور الحسية ، فيجعلها متشابهة في الظاهر مع النعيم الحسي في الدنيا فحسب ، بيد أن مذاقاتها وطعومها مختلفة . ويبدأ تصوير مشاهد النعيم ، بفتح الآفاق أمام الخيال ليتصوّر ما شاء من أنواع النعيم وألوانه ، وذلك حين يستره ، ولا يظهره في التعبير إلا عن طريق الإيحاء به ، كقوله تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
السجدة : 17 . فهو نعيم تقرّ به العيون ، ويترك للخيال أن يستحضر أنواعه ، وتلتذّ النفس بالتشوّق إليه ، وكأنّ الصورة هنا تريد الإيحاء من هذا الإجمال بأنه نعيم لا مثيل له ، ولكنّ الصورة فصلّت في أنواع هذا النعيم في مواضع أخرى . ابتداء من تصوير سعة الجنة ، وأبوابها ، وأنهارها . وجمالها ، وطعام أهلها ، وشرابهم ولباسهم ، ومجالسهم ، وانتهاء بمشاهد اطلاعهم على أهل النار وحوارهم معهم . وقد رسمت الصورة مساحة واسعة للجنة ، من خلال ما يدركه عقل الإنسان من المساحات