تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
من المكلفين ، ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك » « 18 » . وقد يطول تصوير مشهد السحاب والرياح والمطر ، مع تجسيم الحالات النفسية المصاحبة له يقول تعالى :
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ، فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ
كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ
الروم : 48 - 51 . فالصورة هنا ترسم مشهد السحاب منشورا وممدودا ، في مساحات واسعة من السماء ، ثم ترسمه متجمعا بعضه فوق بعض متراكما ، والودق يخرج من خلاله ، وأثر هذا المشهد الطبيعي في فرحة النفوس به ، واستبشارها بالخير والنماء والرزق ، ثم تنتقل الصورة إلى أثر المطر في إحياء الأرض بعد موتها وترتسم صورة الأرض مخضرة بالنبات ، على مساحات واسعة ، تقابل صورة مشهد السحاب الممدود على مسافات واسعة أيضا ، كما تتقابل خطوط الصورة أيضا ، في المطر النازل ، والنبات الطالع وتتصل خطوط المشهدين في التصوير ، اتصال السبب بالمسبب ، فتبدو الأرض محتاجة إلى رحمة الله ، كما هي بحاجة إلى وحي السماء ، فاتصال الأرض بالسماء اتصال مادي ومعنوي ، ولا يمكن الاقتصار على أحدهما دون الآخر ، فكما هي بحاجة إلى المطر لتحقيق الحياة عليها في نبات الزروع والثمار ، كذلك هي بحاجة إلى الوحي ، لإرشاد العقول وهدايتها ، لتحقيق الخير والحياة السعيدة . وفي نهاية التصوير ، دعوة إلى التدبر في هذه المشاهد الطبيعة ، لإدراك ما فيها من أدلة عقلية وحسيّة ، على إحياء الله الموتى ، وهي القضية العقدية ، التي نلاحظها في تصوير مشاهد الطبيعة غالبا . ويمتزج الترغيب والترهيب في تصوير الطبيعة ، من خلال عرض صورتين متقابلتين للسحاب ، وتجسيم حالات النفوس أمام هاتين الصورتين ، فالسحاب إما أن يكون مصدر خير ونماء ، وإمّا أن يكون مصدر هلاك ودمار ، لذلك فالنفوس فرحة بنزول الأمطار ، مستبشرة بها ، ولكن حين ترى السحاب مصفرّا ، فهو نذير عذاب وهلاك ، فتبدو النفوس يائسة كافرة ، وهكذا تتقابل المشاهد في السياق الواحد ، لتحقيق الخوف والرجاء . ويمتد
هامش
( 18 ) الكشاف : 2 / 84 .