الكونية وزوالها ، يهدف إلى غرس فكرة الفناء في نفس الإنسان ، لتحقيق الغرض الديني من التصوير أيضا .
وصورة الماء العذب ، صورة حسية مألوفة ، ولكن الإنسان يغفل عن القدرة الإلهية التي أوجدت الماء الذي هو مصدر الحياة ، فتعرض صورته المحسوسة هذه ، وصورة أخرى له متخيلة ، تقابلها لبيان فضل الله على الإنسان في توفير الماء العذب له ، يقول تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
الواقعة : 68 - 70 .
وصورة الماء العذب المحسوسة ، تقابلها صورته المالحة المتخيّلة ، تتفاعلان في السياق عن طريق التجاور في التعبير ، والتضاد في التخيل والتأثير ، لتحقيق الغرض الديني من التصوير ، وهو بيان فضل الله على عباده في إنزال الماء العذب من السحاب ، ويترك للإنسان أن يتخيل الصورة الأخرى المحتملة فيما لو نزل الماء ملحا أجاجا ليدرك رحمة الله عليه .
كما أنّ الصورة تعتمد على نظام العلاقات والروابط بين الصور ، فالماء العذب ، مرتبط بالمزن في السماء ، والمزن أيضا مرتبطة بالبحار المالحة ، لأنها تتكوّن منها بالتبخر ، فيتمّ تقطيرها ، فتحمل السحب المياه العذبة الصالحة لحياة الإنسان ، وهذا ما يوحي به التعبير ب
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
فالصورة للماء العذب ، تتواصل ضمن نظام العلاقات السياقية ، مع السحاب ، والبحار ، للإيحاء بهذه الحقائق العلمية ، الدالة على القدرة الإلهية ، الموجدة لهذه القوانين الطبيعية .
لهذا يكثر تصوير السحاب في القرآن الكريم ، في مشاهد بديعة موحية ومؤثرة ، فترسم حركته في السماء ، وهو ينتقل من مكان لآخر ، ثم يتجمع بعضه فوق بعض ، فيصبح ركاما ضخما كالجبال ، فيتحرك وفق مشيئة الله ، بهذه الكتل الضخمة ، ثم ينزل منه الماء أو البرد يقول الله تعالى في تصوير حركته :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
النور : 43 .
ويعتمد التصوير هنا على الفعل
أَ لَمْ تَرَ
على طريقة القرآن في إحياء المشهد ، ثم يعرضه حيا ماثلا للعيون ، وكأنها تراه الآن ، ويجتمع في المشهد المعروض كل الأدوات