وتلمس صورة المشهد القلوب والنفوس بقوله :
بُشْراً
التي تتوق للمطر ، حين ترى مشهد السحاب في السماء وتصطبغ مشاهد الطبيعة المصورة ، بأنداء الرحمة الإلهية ، ثم وصف الماء ب
طَهُوراً
يزيد الصورة روحانية وشفافية ، فالماء الطهور ، يغسل وجه الأرض ، ويحييها بعد موات ، ويسقى الإنسان والحيوان ، ووصف الأرض ب
الْمَيْتَةَ
وإحياء المطر لها ، يهيئ الأذهان لقبول فكرة الحياة بعد الموت . فتصوير الطبيعة يحمل دلالات فكرية ونفسية وفنية ، تتناسق مع حركة التصوير في النص القرآني كله لتحقيق وظيفته الدينية الأساسية .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
الأعراف : 56 - 58 .
فمشاهد الرياح والسحاب ، والمطر ، والنبات ، كلها تدل على القدرة الإلهية ، فهي مشاهد مترابطة ومتناسقة الأجزاء ، يعتمد بعضها على بعض ، في تكوين هذه اللوحة الفنية المرسومة للطبيعة ، وهي لوحة غنية بالحقائق الدينية التي تطلّ من خلال هذه المشاهد الطبيعية ، عن طريق الإيحاء أحيانا ، والتصريح بها أحيانا كقوله :
كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى
.
فتصوير الطبيعة ، ليس لمجرد التصوير الفني بل لإبراز الحقائق الدينية من وراء التصوير ، فرب الوجود واحد ، وقدرته تظهر في المشاهد الطبيعية ، كما تظهر في حياة الإنسان ، فالحقيقة واحدة ، وإن اختلفت الصور والأشكال . ولكنّ البشر يختلفون في إدراك حقيقة الألوهية وآثار الربوبية في الطبيعة والإنسان . تماما كما تختلف الأرض في استقبال خيرات السماء ، وما يترتب على ذلك من نتائج وآثار لهذا جاء المثل ، عقب تصوير الطبيعة ، ليوضح اختلاف الناس في إدراك هذه المشاهد ، وما يترتب عليه من نتائج . فهناك في الحياة الإنسانية الطيب والخبيث ، والأرض أيضا نوعان : طيبة وخبيثة . فالإنسان الطيب ، كالأرض الطيّبة يتأثر بالتوجيه القرآني ، ويدرك ما وراء هذه المشاهد الطبيعية من إله قادر على كل شيء ، فيؤمن به ، وينمو الإيمان في قلبه ، ويظهر على جوارحه سلوكا وعملا وعطاء ، وأما الإنسان الخبيث فهو كالأرض الخبيثة ، فهو لا يتأثر بالمشاهد ، ولا بالمواعظ .
يقول الزمخشري في بيان الغرض من التمثيل : « وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه