تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
التصويرية ، من حركة ، وهيئة ، ومساحة وخطوط وأشكال وألوان ، فالسحاب يتحرّك ، ويتجمّع على هيئات وأشكال ضخمة كالجبال ، ويقطع هذه المساحات والمسافات ، ثم يتمّ نزول المطر وفق مشيئة الله ، على هيئة معروفة ، فيتغيّر مسار الحركة الأفقية في المشهد المنظور ، إلى حركة عمودية من الأعلى إلى الأسفل في المطر النازل ، ويضاف إلى صورة المشهد نور البرق الخاطف ، ليكتمل تصوير هذا المشهد الطبيعي من كل جوانبه ، والإطالة في العرض الفني للمشهد هنا ، تهدف إلى إبراز قدرة الله في كل لقطة تصويرية فيه . ثم إن صورة المشهد تشير إلى أن ما تراه العيون ، قد يكون مصدر خير بنزول الأمطار على الأرض ، أو مصدر هلاك بنزول البرد والسيول لتحطيم الزروع والثمار ، حتى يظل الإنسان بين خوف ورجاء يتوجّه إلى الله بطلب الرحمة والخير منه سبحانه . يقول الله تعالى في تأكيد هذا المعنى أيضا
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
الرعد : 12 - 13 . فالبرق الخاطف والرعد القاصف ، والصواعق الحارقة ، والسحاب الممطر ، كلها مشاهد مألوفة ومحسوسة ولكنّ تصويرها هنا ، يضفي عليها الرهبة والتأثير ، فالبرق يرتبط بنزول المطر ، وهو بمنزلة الإشارة الضوئية الدالة عليه ، والمطر إما أن يكون خيرا نافعا ، وإمّا أن يكون ضررا ماحقا ، لذلك فالنفوس في حالة خوف وطمع ، ثم تخلع الصورة على مشهد الرعد الحياة والحركة على سبيل التشخيص ، فهو يسبح بحمد الله ، بهذا الصوت المجلجل في الآفاق ، فيتجاوب الكون معه ، حتى الملائكة يدخلون في إطار الصورة ، مع المشاهد المصورة ، لزيادة جوّ الرهبة والخشوع ، مع الصواعق الحارقة تصيب من يشاء ، حتى يظلّ الإنسان بين خوف ورجاء أمام هذه المشاهد الطبيعية المصورة . ويصور السحاب أحيانا في حركته الجميلة في صفحة السماء على أنه مبشر بنزول المطر ، كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
الفرقان : 48 - 49 . وفي هذا المشهد تتجلى قدرة الله في إرسال الرياح ، ودفع السحاب ، وإنزال المطر الذي هو مصدر الحياة للإنسان والحيوان على السواء .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 220 | عبد السلام احمد الراغب