ولكن أحمد بن المنير يردّ قول الزمخشري هذا ، ويرى أن التسبيح هو على الحقيقة وليس مجازا « 6 » . وأيّا كان ، فإن الصورة ضخمة في إيحائها ، ومثيرة للخيال الذي يتابع مشهد التسبيح الكوني الهائل ، في آفاق السماء ، وفي مساحات الأرض ، وفي أنواع الزروع والنباتات والمخلوقات . . وذلك على طريقة القرآن المفضّلة في تصوير المشاهد الكونية وهي تنبض بالحياة والحركة .
ومثل ذلك قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
فصلت : 11 - 12 .
يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة الكونية : « ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان ، وامتثالهما ، أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع ، إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع ، وهو من المجاز الذي يسمى تمثيلا ، ويجوز أن يكون تخييلا ، ويعني الأمر فيه على أن الله تعالى كلّم السماء والأرض ، وقال لهما ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه ، فقالتا : أتينا على الطوع لا على الكره ، والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير » « 7 » .
وهذه هي طريقة القرآن الكريم في تصوير الجوامد ، حية شاخصة ، بإضفاء الصفات الإنسانية عليها ، كي تكون أكثر إيحاء ، وأشد تأثيرا في النفس الإنسانية .
أما صورة السماء وهي دخان ، فهي صورة غيبية ، لا نعرف ماهيّتها ، وإن كانت الصورة توحي بأن الكون الخارجي كان غازا ، أو دخانا ، وهو ما يسمى عند العلماء ب « السديم » .
يقول الدكتور أحمد زكي : « إن نظرية الخلق تقول : إن المجرة كانت من غاز وغبار ومن هذين تكونت بالتكثيف النجوم ، وبقيت لها بقية ، ومن هذه البقية كانت السدم ، ولا يزال من هذه البقية منتشرا في هذه المجرة الواسعة ، مقدار من غاز وغبار يساوي ما تكونت منه النجوم ، ولا تزال النجوم تجرّ منه بالجاذبية إليها » « 8 » .
هامش
( 6 ) انظر الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال الوارد في هامش الكشاف : 2 / 451 .
( 7 ) الكشاف : 3 / 445 - 446 .
( 8 ) في ظلال القرآن : 5 / 3114 . نقلا عن كتاب « مع الله في السماء » لأحمد زكي .