والمضمون الديني فتحقق ، متعة الحس ، ولذة النفس ، وطلاقة الروح ، وحرية الخيال حين يسبح في هذا الملكوت الكبير الذي خلقه الله سبحانه بتناسق عجيب ، ونظام وانسجام .
ويتعمد تصوير الطبيعة على نظام العلاقات أيضا ، لتحقيق وحدة الصورة الفنية ، ووحدة الأثر الديني . فالمشاهد المصورة ، تترابط في السياق ، عن طريق التناظر ، أو التقابل ، ويتفاعل فيها التعبير والتصوير ، لتوضيح الرؤية الإسلامية ، لهذا الكون البديع .
فمشاهد السماء تضم النجوم ، والشمس ، والقمر ، وحركة الأفلاك ، ومشاهد الأرض تحيط بها مشاهد السماء ، وتعاقب الليل والنهار ، وفيها الجبال ، والمياه ، والأنهار ، والبحار ، والنبات ، والأشجار ، ومشاهد السحاب ، والأمطار ، والرياح . . . إلخ .
وبين هذه المشاهد علاقات سياقية ، وروابط فكرية ، وتصويرية تجعلها ، كلّها تشكّل مجموعة موحّدة تدور في حركة متناسقة منسجمة في التصوير ، كما هي في الواقع المنظور ، وتسير في حركة تصويرية باتجاه وحدة الصورة القرآنية ، ووظيفتها الدينية الأساسية .
وهذه المشاهد الطبيعة ، يراها الإنسان في الصباح والسماء ، ولكنه لا يلتفت إليها غالبا ، ولا يدرك اليد التي أبدعتها ، لأن الإلف أو الاعتياد ، بلّد حسه ، وجمّد شعوره ، فلم يعد يهتزّ حين يراها أو يلتفت إلى الخالق سبحانه الذي أبدعها .
فجاءت الصورة لتحيي هذه المشاهد الطبيعة في حس الإنسان وشعوره ، وكأنه يراها لأول مرة ، وتعمل على إيقاظ حسّه ، ليدرك ما وراء هذه المشاهد المحسوسة ، من قوة خالقة لها ، ومدبرة لشئونها ، ومنظّمة لأجزائها ، حتى تكون بهذا الجمال ، وهذا الكمال .
وإذا تأملنا تصوير الطبيعة في القرآن ، نلاحظ أن السماء يكثر ورودها ، مرتبطة بذكر الأرض معها غالبا . ويرجع ذلك إلى أن السماء تحيط بالأرض ، فيراها الإنسان دائما ، كما أنها تتسم بالضخامة والاتساع والجمال . مما يؤثر في حس الإنسان ووجدانه .
يقول الله تعالى في وصف المساء والأرض :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
غافر : 57 .
فهذه الصورة الكونية الصخمة ، المرسومة للسماء والأرض ، تشغل مساحة واسعة في المكان ، كما تحتل مكانة واسعة في الحس والشعور ، وهي أكبر دليل على خلق الناس .
وتتفاعل صورة السماوات والأرض في السياق ، عن طريق التجاور في التعبير ، والتقابل في