تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
كما تتسم صورها بالبساطة ، وسهولة الإدراك لأنه « كلما كانت الخطوط والأشكال بسيطة ازداد الجمال ، وازدادت القوة » « 2 » . ويرجع جمال تصوير الطبيعة - بالإضافة إلى ما ذكرناه - إلى الحقيقة الإلهية ، التي تظهر في شفافية المشاهد وإيحائها بالقدرة الإلهية المبدعة ، وكأن هذه المشاهد المصورة لوحات فنية ، لحقائق دينية تكمن وراء المشاهد المنظورة ، فهي التي تضفي عليها الجمال والتناسب والتناسق والجاذبية . فالحقيقة الدينية هي هدف تصوير الطبيعة ، تخرجها من داخل مناظر الطبيعة إلى المشاهد المصورة . أو بمعنى آخر ، تخرجها من الكمون في المناظر المرئية إلى الظهور في المشاهد المصورة ، وبذلك لا تغدو المشاهد مجرد أشكال أو تماثيل صامتة بل هي مشاهد حية شاخصة تدلّ على مبدعها وهو الله سبحانه . وحين يتفاعل المسلم معها ، أو يتأثر بها ، فلأنه يرى فيها مخلوقات لله ، فيها الحياة والحركة ، وينطبق عليها ما ينطبق على الأحياء من الفناء والزوال . ولا شك في أن الذي خلق الطبيعة هو أعلم بأسرارها وعلاقاتها ، فحين يصوّر لنا الطبيعة في كتابه العزيز . فإن تصويره هو الأصدق والأدق من أي تصوير آخر لها ، وقد أراد الله من تصويرها أن يلفت انتباه الإنسان إلى بديع خلقه ، وقوة قدرته ، ويوقظ الحواس والمشاعر والعقول ، لإدراك ما وراء الطبيعة من حكمة وغاية . وليس هدفه تقديم الحقائق العلمية أو تصويرها لمجرد التصوير الفني ، وإنما الهدف أن ينقل الإنسان من مظاهرها الخارجية إلى أعماقها وأسرارها والحكمة من خلقها ، أي إلى بيان حقيقة الألوهية ، وآثار الربوبية في هذا الكون المنظور . ولكنّ هذه المشاهد الطبيعية المصوّرة . هي وسيلتنا لمعرفة الحقائق الدينية المستترة . لهذا فإنّ « الإخلاص للمظاهر هو الشيء الوحيد الذي يسمح بأن نتعدى حدود المظاهر نفسها ، وبأن نصل إلى الواقع على حقيقته نقصد كما يقول سيزان - إلى الطبيعة في أعماقها » « 3 » . وهذا ما نراه في تصوير الطبيعة في القرآن ، حيث تجمع الصورة بين الشكل الخارجي
هامش
( 2 ) بحث في علم الجمال : ص 224 . ( 3 ) المصدر نفسه : ص 267 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 201 | عبد السلام احمد الراغب