تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وتقوم الصورة الفنية بإبراز هذا التوافق ، في ربط المشاهد بالله سبحانه ، الذي خلق الإنسان أيضا ، وربطها أيضا بحركة الإنسان على ظهر الأرض ، للتأكيد على فكرة التوافق والانسجام ، ونفي التعارض أو الصراع بين الاثنين . كما أنها لا تقف عند التصوير الخارجي للطبيعة فحسب ، بل تتجاوز ذلك إلى النفاذ إلى أعماقها ، لكشف علاقاتها الخفية بين مشاهدها ، وقدرة مبدعها ، ورصد حركتها منذ وجودها إلى نهاية مصيرها في الزوال والفناء ، فتتحد في هذه النهاية مع نهاية الإنسان ، وفق النظرة الدينية للكون والإنسان والحياة . والثبات الملحوظ في مشاهد الطبيعة ، ثبات محدود في إطار زمني مقدّر ومحدّد ، وفق سنة الله ، وسيعقب هذا الثبات في المشاهد المصورة ، مشاهد الفناء والتحطّم ، حين يتغيّر الزمن المحدود ، إلى الزمن المطلق ، في عالم الخلود ، يوم القيامة . حين ذاك ، تتحطّم مشاهد الطبيعة ، ويفنى كل شيء في الوجود ، لأن القوانين التي تحكم الطبيعة ، وتقيم العلاقة بين أجزائها ، تتغير بدخول يوم القيامة ، ويحدث الانقلاب في مشاهد الطبيعة ، والانفلات في النظام الكوني المحسوس ، وتصبح مناظرها الجميلة ذكريات ماضية لعالم الدنيا الزائل . فالصورة القرآنية تطبع في حس الإنسان ظلّ التغيّر أو ظلّ الفناء للطبيعة ، ولا تطبع ظلّ الخلود لها كما في الأعمال الأدبية الكثيرة . وبهذا يكون للطبيعة في القرآن ، صورتان في الذهن ، صورة لها في عالم الدنيا ، وهي صورة جميلة زاهية متناسقة ، وصورة أخرى تناقضها في عالم الآخرة ، حين تشهد الطبيعة انفلاتا كونيا مرعبا يتناسب مع أهوال يوم القيامة وأحداثه . كما سنبين ذلك في الفصل الخاص بمشاهد القيامة . وبهذا يتمّ التواصل بين الصور القرآنية ، الامتداد الزماني والمكاني فيها ، عبر الانتقال من العالم المحسوس إلى غير المحسوس ، ومن المحدود إلى المطلق . ولكنّ هذا لم يؤثر في تصوير الطبيعة ومشاهدها المتنوعة ، من حيث التشابه بين الصورة والطبيعة المرئية ، بل إنّ الصورة المرسومة لها في القرآن الكريم هي عين الطبيعة المحسوسة ، مع إضفاء الطابع الديني على التصوير ، فيزيد جمالها جمالا ، لأنه « ما من شيء جميل غير الحقيقة » « 1 » كما يقول جان برتليمي .
هامش
( 1 ) بحث في علم الجمال : ص 222 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 200 | عبد السلام احمد الراغب