تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩

الفصل الثالث مشاهد الطبيعة

ثمة علاقة وثيقة بين تصوير مشاهد الطبيعة ، وتصوير الموضوعات الأخرى في القرآن الكريم ، لأن الأسلوب القرآني ، لا يعتمد في السياق على نمط واحد من التصوير ، بل يعتمد على التنويع فيه ، فينتقل من نمط تصويري إلى آخر ، ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية المتفاعلة داخل السياق ، لتحقيق الأثر الديني والفني معا . ويحتلّ تصوير الطبيعة مكانة هامّة في التصوير الفني في القرآن ، لأن هذا التصوير مرتبط بعالم المحسوسات أو عالم الشهادة بتعبير القرآن ، وهو مجال المعرفة الإنسانية ، لأن الحواس تقوم بالتقاط الصور المتفرّقة من مشاهد الطبيعة ، وتضعها لدى العقل الإنساني الذي يفسّرها وينظّمها ، ويعطي حكما عليها . لهذا فإن القرآن الكريم حفل بتصوير مشاهد الطبيعة ، واتخذها وسيلة للمعرفة الدينية ، ووسيلة أيضا للتأثير في النفس ، التي تهتزّ بطبيعتها لهذه المشاهد المحسوسة ، وتتفاعل معها ، وليشبع حاسة الجمال الفطرية في الإنسان أيضا . ومن أجل تحقيق هذه الأغراض المتعددة ، فإن الصورة تضفي على المشاهد الطبيعية الحياة والحركة ، حتى تبدو حية شاخصة ، مؤثرة في حس الإنسان ووجدانه ، فيشعر بالتفاعل معها ، لأنه لا يجد فيها مجرد مشاهد جامدة أو صامتة ، بل يجدها شخوصا متحركة ، مخلوقة لله ، ومحكومة بقوانين الله . وبذلك يتم التوافق والانسجام بين الطبيعة والإنسان ، لأن كليهما مخلوق لله ، وكليهما محكوم بقوانين الله ، فلا تعارض بين الطبيعة والإنسان ، في التصوير الفني في القرآن ، كما هو موجود في بعض الآداب العالمية ، وإنما هناك التوافق والانسجام .