تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وتصوير الفرار من المعركة ، بإعطاء الأدبار للأعداء ، صورة قبيحة مستنكرة ، في الحياة الإنسانية ، وهي صورة أيضا تجلب غضب الله ، وتنتهي بالمهزوم إلى جهنم وبئس المصير . فالصورة هنا ترسم الفرار من المعركة بهيئة كريهة ، تثير في النفس قبح الهزيمة ، فهي صورة كريهة في بدايتها ، وكريهة في امتدادها ، ومصاحبة غضب الله لها ، وكريهة أيضا في خاتمتها . وهكذا تتناسق هذه المجموعة من الصور في الشكل الكريه ، والأثر القبيح ، في تصوير المعاني الذهنية وتوجيه الإنسان نحو المعاني السامية النبيلة . فتتواصل الصور في السياق ، كما تتواصل المعاني فيما بينها أيضا ، لبناء الرؤية الإسلامية ، وبناء الإنسان وبناء الحياة . وتعبّر الصورة القرآنية عن طاعة الشيطان ، والانقياد له ، بصورة حسية متحركة وهي « اتباع خطوات الشيطان » قال تعالى :
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
البقرة : 168 . فهذه الصورة تجسّم المعنى ، وتجعله واقعا محسوسا ، وتجعل عدو الإنسان الشيطان ، يقود الإنسان الضال إلى موارد هلاكه ، والإنسان الضال ، يقتفي أثره ، خطوة خطوة ، يطيعه ، وينقاد إليه انقيادا أعمى . وهذه الصورة كثيرة الورود في القرآن ، للدلالة على هذا المعنى ، ولكننا قد نجد في بعض الأحيان تفصيلا فيها ، لزيادة التحذير من الشيطان وأتباعه ، كقوله تعالى :
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
البقرة : 208 - 209 . وصورة الشيطان هنا فيها حركة تخييلية حسية . يبدو فيها قائدا ، يقود جموع الضالين ، والحمقى يتبعونه ، ويقتفون آثاره وخطواته ، مع أنه عدو قديم للإنسان ، أعلن صراحة عن دوره في إغوائه حسدا وحقدا . وتمضى الصورة في التخييل الحسي باستخدام لفظة « زللتم » التي ترسم زلّة الأقدام عن الطريق السوي ، وسقوط أصحابها في هوة المعاصي . . . ثم يأتي التعقيب على التصوير ، متناسقا مع جوّ الصورة وإيحاءاتها
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. وتمتد صورة الشيطان في السياق القرآني ، ليصبح الشيطان قرينا ملازما للإنسان الغافل عن الله ، يقول تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ، حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ