تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
بينهما ، فالصورة تمثّل وحدة منسجمة ، تتواصل الصور في داخل السياق ضمن نظام العلاقات ، عن طريق التقابل أو التناظر أو التجاور في التعبير ، حتى يتمّ بذلك نموّ المعاني الدينية وتفاعلها ، فتكوّن في النهاية وحدة الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان . ويعبّر عن التواضع بصورة خفض الجناح ، وهي تقابل تصعير الخد تكبّرا ، ولكن صورة خفض الجناح صورة محبّبة ، أمّا تصعير الخد ، فصورة مكروهة منفرة . يقول الله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الشعراء : 315 . فهذه الصورة الحسية ، تجسّم معاني الرفق واللين والتواضع ، لتكون محسوسة حاضرة في الأذهان دائما ، ويلاحظ تناسق هذه الصورة الحسية ، مع المعاني الذهنية المجردة ، فالجناح هو وسيلة الارتفاع والانخفاض معا ، وخفض الجناح يوحي بالهبوط والنزول من مكان مرتفع ، لأن الطائر يضمّ جناحيه في لحظة الهبوط ، ويخفضهما في حالة الارتفاع والطيران ، يبسط جناحيه ، ويحركهما ، وهذه الصورة متناسقة مع صورة المتواضع ، وصورة المتكبر معا ، في حالتي الهبوط والارتفاع للطائر . فالمتكبّر ، يرتفع ويتعالى ، ويبسط جناحيه ، ويحرك أطرافه للارتفاع والتعالي ، وهي صورة الطائر في حالة الارتفاع والتحليق ، والمتواضع يخفض جانبه للناس ، ويضم أطرافه ، في حركة متناسقة مع صورة الطائر ، وقت هبوطه ، وخفض جناحيه . . . وهكذا تكشف الصورة عن حقيقة الإنسان ، وما في نفسه من مشاعر متقابلة ، وخطوط متوازية ، ففيه استعداد للتكبّر والتعالي ، وفيه أيضا استعداد للتواضع ولين الجانب ، ومن خلال هذا التقابل بين الصورتين ، تتّضح المعاني الحميدة ، والمعاني الذميمة ، ويتم توجيه الإنسان التوجيه الديني المطلوب ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حضّ الأبناء على خفض الجناح للوالدين :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
الإسراء : 24 . وترد هذه الصورة للدلالة على معنى آخر غير التواضع ، ولكن في سياق مختلف أيضا كقوله تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
الأنفال : 61 . وتصوير ميلهم إلى السلام ب « الجنوح » صورة معبّرة ، تتواصل مع صورة خفض الجناح وإيحاءاتها ، فلا يكفي في السلام مجرد ميلهم الداخلي ، ما لم يتحول هذا الميل إلى واقع حي ملموس ، يتمثّل في خفض الجناح ، ولين الجانب . وهو ما توحي به صورة « الجنوح »