تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وتعبّر عنه ، لأنها من المادة اللغوية نفسها ، ومن ملازمات خفض الجناح ، والاختلاف في الصيغة لا يغيّر من جوهر الصورة لأن التصوير للمعنى بالجنوح ، يوحي بحركة جناح يميل إلى السلام ، ويرخي جناحه برقّة ولين . وتنقل الصورة المعنى الذهني ، وما يصاحبه من مشاعر وأحاسيس ، كقوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
البقرة : 81 . فهذه الصورة ، تعبّر عن المعنى وهو اقتراف الذنب ، بلفظ « الكسب » للإيحاء بأن المذنب يقترف السيئة كأنّه يكسبها كسبا ماديا ، ويضيفها إلى حسابه ، وإيحاء آخر ، وهو أن الذنب أو المعصية فيها إغراء وجاذبية تشدّ مقترفها إليها ولولا هذه الجاذبية والإغراء ، ما أقدم على ارتكابها باندفاع وحماسة . فالتصوير الحسي هنا ، تصوير واقعي ، مجسّم ، يتغلغل في أعماق النفس ، ليصوّر ما فيها من مشاعر وقت ارتكاب المعصية بلفظة واحدة هي « كسب » ولكن الصورة هادفة ، وليست تصويرا للواقع لإقراره ، والاعتراف به وإنما لتوجيه هذا الواقع المنحرف والتحذير من ارتكاب المعاصي ، لهذا جاءت صورة الخطيئة المحيطة بصاحبها ، بعد صورة اكتساب المعصية ، واستخدام لفظ « الخطيئة » يعدّ حكما صادرا على الذنب أو المعصية ، ولو ظنّ صاحبها أنها كسب له ، فهي خطيئة يعاقب عليها . وتصوّر الخطيئة ، محيطة بصاحبها ، والمذنب لا ينفك عنها ، ولا يفلت من حصارها ، فهو محبوس في داخلها ، حتى تقضي عليه في النهاية . وهذه صورة تجسيمية للمعنى الذهني ، لها وقعها في الحس والنفس معا أكثر من أي تعبير ذهني مجرد ، لا يتجاوز تأثيره العقل أو الذهن ، بينما هذه الصورة المجسّمة للخطيئة ، تدخل إلى النفس ، من منافذ شتّى ، من الحس ، والخيال ، والذهن ، والوجدان . وصورة الإحاطة ، تكررت في الأسلوب القرآني في مواضع عدة ، لتصوير المعاني الذهنية من ذلك قوله تعالى
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
الكهف : 42 ، والصورة هنا تعبر عن هلاك الثمر واستئصاله . وترد هذه الصورة في سياق آخر أيضا ، لتعبر عن المعنى نفسه
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
البقرة : 19 ،
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
العنكبوت : 54 .