تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
ولكنها توحي بظلال من خلال اختلاف الأنساق الواردة فيها ، على الرغم من التواصل بين الصور ، في التناسب المعنوي . فصورة إحاطة الله بالكافرين ، توحي بالشمولية والقدرة ، والتمكن من إهلاك الكافرين . وصورة جهنم المحيطة بهم أيضا توحي بالخوف والفزع ، بمجرد أن يتصور الإنسان إحاطة جهنم بالكافرين ، وهم في داخلها يحترقون . وتكثر أيضا صورة الانقلاب على العقبين في تصوير الارتداد النفسي والحسي معا كقوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
آل عمران : 144 . فالصورة هنا ، تعبّر عن الارتداد بحركة حسية ، حتى يغدو المعنى الذهني مشهدا منظورا ، يجسّم المعنى الذهني ، وما يصاحبه من حركة ارتداد داخلية أولا ، تتمثّل في حركة حسية خارجية مرئية بعد ذلك . ووردت هذه الصورة في مواضع أخرى كقوله تعالى :
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
البقرة : 143 ، وكقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
آل عمران : 149 ،
. . قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
المؤمنون : 66 . وصورة « قطع الدابر » في التعبير عن الإهلاك والاستئصال ، كثيرة في الأسلوب القرآني ، وهي أيضا تمتد ، للتواصل مع صورة حركة الانقلاب على الأعقاب ، فبين الصورتين هذا التناسب الشكلي والمعنوي ، في الأدبار والأعقاب ، وفي التحقير والترذيل . يقول الله تعالى :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
الأنعام : 45 . وصورة قطع الدابر توحي بالاستئصال الكامل . وكأن الظالمين يقفون في صفوف منتظمة ، وعلى هيئة مخصوصة ، فيأتي قطع دابرهم ، أي آخرهم ، للإيحاء بأنهم هلكوا جميعا . ومن ذلك قوله أيضا :
وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
الأعراف : 72 ، وقوله تعالى :
وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
الأنفال : 7 ، و
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
الحجر : 66 . وقريب من هذه الصورة المستكرهة صورة تولّي الأدبار ، في التعبير عن الهزيمة والفرار ، يقول الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
الأنفال : 15 - 16 .