تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وتجسّم الصورة وسائل غواية الشيطان واستيلائه على قلوب أتباعه وعقولهم بقوله تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
الإسراء : 64 . فوسائل الغواية مجسّمة بصورة المعركة فيها الأصوات والخيول والرجال والشيطان في معركة مع الإنسان ، يستخدم كل الوسائل لغوايته وإضلاله ، ويستخدم أسلوب الاستدراج ، حتى يخرجه من حصونه ، وقلاعه ، ثم يستولى عليه بعد ذلك . يقول الزمخشري بهذا المعنى : « فإن قلت ما معنى استفزاز إبليس بصوته ، وإجلابه بخيله ورجله قلت : هو كلام ورد مورد التمثيل . مثّلت حاله في تسلّطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزّهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم » « 13 » . وتعبّر الصورة عن الموت ، وما يتعلق به من المعاني ، وكأنه شخص حاضر ، يطارد الإنسان طوال حياته حتى يقبض عليه ، يقول تعالى :
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ . . .
الجمعة : 8 . فالصورة ترسم الموت ، شخصا حيا متحركا يطارد الإنسان ، وهو يهرب منه في خوف وذعر ، ويظلّ الموت يطارده ، والإنسان يجري أمامه ، حتى يلاقيه الموت أو يدركه ، فالقرآن الكريم لم يقل إن الإنسان سيموت بتعبير مباشر ، وإنما صوّر هذا المعنى الذهني في حركة الإنسان في الحياة ، وهو يفرّ خائفا من الموت وهو يلاحظ ليمسك به في النهاية . ويترك للخيال أن يتابع حركة المطاردة هذه ، ويقدّر ما تستغرقه من الزمن ، قد يطول ، وقد يقصر ، ولكن نتيجة المطاردة معروفة
فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
، ويرتبط مشهد الاحتضار بصورة الموت ، فيصوّر تصويرا حيا مرهوبا يقول الله تعالى :
كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ، وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
القيامة : 26 - 30 . فالمشهد هنا حي متحرك شاخص ، تسهم الألفاظ في تصويره ، ورسم دقائقه المفصّلة ، فهذه الروح قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة في الحلقوم ، والحاضرون ينظرون لمشهد الميت لا مكروب ، عاجزين عن ردّ الروح إليه ، ولم يبق أمامهم إلا الرقية لعلّها تفيده ، بينما الروح
هامش
( 13 ) الكشاف : 2 / 456 .