تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
تواصل الخروج ، ويشتد الكرب ، وتصوّر شدّته بحركة التفاف الساق بالساق ، على طريقة القرآن في تصوير المعاني ، وهذه الروح تواصل الخروج وكأنّها تسير في طريق معلوم محدد ، تساق إليه
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
فعنده ينتهي المطاف والمساق . ويتكرّر هذا المشهد في سياق آخر مع لمسة نفسية في قرب الله منه في تلك الساعة ، مع تصوير عجز الناس عن مساعدته ، لتكون صورة قرب الله منه ، تقابل صورة بعد الناس عنه ، وعجزهم أمام خروج الروح :
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
الواقعة : 83 - 85 ، فالصورة توحي بالشدة واليأس والذهول ، كما توحي بعجز البشر ، عن إيقاف الروح المتجهة إلى ربّها ، وتصوير الحضور الإلهي في هذه اللحظة ، يضفي على الصورة رهبة وجلالا وتأثيرا في النفس . وإذا كانت نهاية الإنسان هي الموت ، والمساق سيكون إلى الله وحده ، فيجب الاهتمام بأمر العقيدة ، وتربية الأبناء عليها وتوريثها للأجيال . وقد عبّرت الصورة عن توريث العقيدة ، وكأنها شيء مادي محسوس يورّث للأبناء ، في مشهد يعقوب حين حضرته الوفاة :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
البقرة : 133 . وفي هذه الآية يجسّم الموت في صورة حسية ، فيصوّر كأنه غائب ، ينتظر قدومه في أي لحظة ، فهو يحضر إلى يعقوب بعد غياب عنه ، وهنا يبدأ تصوير مشهد الموت ليعقوب ، ويعتمد التصوير على الحوار ، لإحياء المشهد والزيادة في تأثيره وإيحائه . ويعرض فيه يعقوب مهتما بأمر العقيدة ، فيحاور أبناءه في شأنها ، ليطمئن على غرسه من بعده ، فيكون جوابهم أنهم سيسيرون على خطا أبيهم ، وأجدادهم في الالتزام بها . هذه الصور للموت ، ليست منفصلة بعضها عن بعض ، بل هي صور مترابطة ، متواصلة ، فكل صورة ترسم معنى يتعلق به ، وتزيد الصورة الثانية على الأولى بعض اللمسات الفنية والنفسية ، لتحقيق التأثير الديني ، الذي هو غاية التصوير ، ثم تأتي الصورة الثالثة ، لتوضّح ضرورة الاهتمام ، بتربية الأبناء على العقيدة ، والاطمئنان عليهم قبل الموت . فالمعاني الذهنية ، لا تعرض مجردة بأسلوب مباشر ، وإنما يعبّر عنها بالصورة المحسوسة ، لتكون أبلغ في التأثير في المتلقي . حتى القرآن الكريم ، تخلع عليه الصفات الإنسانية على طريقة التصوير