تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الذهني في صورة بناء محكم ، بقواعده وأركانه وسقفه ، وهذه التفصيلات في تصوير البناء ، توحي بالدقة والضخامة والإحكام ، ثم بعد اكتمال تصوير البناء ، بقواعده وأركانه وسقفه ، حتى أصبح جاهزا للاحتماء به ، والاختفاء في داخله ، وبين جدرانه ، جاء مشهد التدمير الكامل لهذا البناء المحكم ، ويلاحظ أن مشهد تدميره ، يرد مفصّلا ومتدرّجا ، زيادة في الإيضاح والتأثير ، وكأننا أمام مشهد معروض ، نتابع خطوات التدمير ، جزءا وراء جزء ، ويبدأ مشهد التدمير من القواعد الأساسية التي يقام عليها البناء ، ثم تتبعها حركة سقوط السقوف فوقهم لتدميرهم تدميرا كاملا . ثم يمتد التصوير في الزمان والمكان ، لينتقل المشهد من الدنيا إلى الآخرة ، في نقلة متصلة في السياق والتصوير ليكشف لنا عن مشهد هؤلاء المتكبرين يوم القيامة وما هم عليه من خزي ومذلّة ، لتقابل صورتهم في الآخرة ، صورتهم في الدنيا حين كانوا يتكبرون عن دعوة الله ويتعالون عليها . ثم يعود التصوير مرة أخرى إلى الدنيا ، فيلتقط مشهد احتضارهم ، ليرسم خزيهم ومهانتهم على الأرض أيضا ، لتكون هذه الصورة الذليلة ، قريبة جدا من صورة استكبارهم وعلوّهم ، قريبة في الزمان والمكان أيضا ، فهم ما زالوا أحياء في الدنيا ، وعجزهم واضح ، وذلّهم بيّن في ساعة الاحتضار ، ثم يعود التصوير للآخرة ليختم بها المشهد ، ويصورهم وهم في النار خالدين فيها أبدا . ويتركون هناك في جهنم ، وينتهي التصوير والتعبير بهذه الخاتمة المخزية لهم . إن هذا المشهد الحي الشاخص الذي ترسمه الصورة بكل تفصيلاته ، لهؤلاء المتكبرين مشهد يتفاعل فيه التصوير مع التعبير ، لإيضاح التكبّر عن دعوة الله ، والنهاية والمصير لهؤلاء المتكبرين . وفيه يظلّ الخيال نشطا متحركا لمتابعة مراحل التصوير المختلفة ، ابتداء من تصوير البناء المحكم ثم مشهد تدميره ، ثم مشهد القيامة لهؤلاء المتكبرين ، ثم العودة إلى مشهد الاحتضار في هذا السياق المتفاعل الذي يقتضي هذه اللقطة النفسية والفنية ، ثم الانتقال من جديد إلى مشهد القيامة ، لأنها نهاية الرحلة للجزاء والعقاب . ليترك الصورة حرة طليقة ، مثيرة للخيال ، وهو يتابع أحوال المتكبرين ، يصطلون بنيران جهنم . وتتواصل صورة التواضع مع صورة التكبر ، عن طريق التقابل أو التضاد ، لإبراز الفروق