تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
والأنساق أيضا . ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية في الأسلوب القرآني . وقد تكررت صورة الأعمال المجسّمة في الأحمال فوق الظهور في مواضع عدة من القرآن كقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .
النحل : 24 - 25 ، وقوله :
وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا
طه : 101 ،
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
العنكبوت : 12 - 13 ، ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
الانشراح : 2 - 3 . وتصوّر المعاني الأخلاقية ، في صور حسية أيضا ، لأنها أبلغ في التأثير يقول الله سبحانه وتعالى :
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
لقمان : 18 - 19 . وصورة « تصعير الخد » الحسية ، بحركتها وهيئتها ، تنقل لنا معنى التكبر ، بصورة كريهة منفرة . لما بين صورة المتكبر ، وصورة « الصعر » في الإبل من تشابه وصلة ، في الحركة والهيئة ، والأثر الكريه المنفّر ، فالصّعر في الأصل داء يصيب الإبل ، فيجعلها تميل بأعناقها بهيئة منفّرة ، وصورة المتكبر المائل بعنقه تشبه تلك الصورة الحسية في الإبل ، وبذلك يغدو التكبر داء يصيب الإنسان ، فيلوي عنقه خيلاء وتكبرا على عباد الله ، فالعلاقة بين الصورتين واضحة في الحركة والهيئة ، والسبب . ثم الصوت الهادئ يوحي بالأدب والثقة ، والغلظة والارتفاع في الصوت سلوك مكروه ، يصوره التعبير بصورة حسية منفّرة مضحكة تبعث الكراهية والاشمئزاز من هذه العادة الذميمة حين تقارن بصورة الحمير بأصواتها المنكرة . وهناك صورة أخرى للمتكبر ، ترتبط بالصورة الأولى ، وتتواصل معها
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
الإسراء : 37 . فهذه الصورة بما فيها من إيحاء ضخم ، يقصد بها مواجهة المتكبر بحقيقة نفسه العاجزة الضعيفة ، فإذا كان المتكبر يرى في نفسه القوة والقدرة ، ويتضخم عنده هذا الشعور ، حتى تجسّم في سلوك مذموم ، فتأتي هذه الصورة الحسية المعروضة أمامه ، تتحدّاه صراحة ، ليرى نفسه العاجزة من خلالها ، فيظهر عجزه في خرق الأرض ، وبلوغ