كان رأس آية أن يسكت عندها وقد وردت السّنة بذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند استعماله التقطيع » ، كما حدّثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ قال : حدّثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز قال : حدّثنا أبو عبيد قال : حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقطّع قراءته يقول :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 ) [ الفاتحة : الآيات 1 - 4 ] ومرقوم فيه على رأس كل آية نقطة حمراء محلّ قوله ، ثم يقف » اه .
إذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء رحمهم اللّه اختلفوا في الوقف على رؤوس بعض الآي ؛ فمنهم من اختار الوقف عليها والابتداء بما بعدها لحديث أم سلمة المتقدم ، ولم ينظر إلى عدم تمام الكلام كالوقف على قوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
[ البقرة : الآية 220 ] رأس الآية والابتداء بقوله :
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
[ البقرة : الآية 220 ] ، أو على قوله :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى
( 9 ) [ العلق : الآية 9 ] رأس الآية والابتداء بقوله :
عَبْداً إِذا صَلَّى
( 10 ) [ العلق : الآية 10 ] ، ولا إلى إيهام الوقف أو الابتداء معنى فاسدا لا يليق كالوقف على قوله :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
( 4 ) [ الماعون : الآية 4 ] والابتداء ب
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ
[ الماعون : الآية 5 ] أو على قوله :
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
( 151 ) [ الصّافات : الآية 151 ] والابتداء بقوله :
وَلَدَ اللَّهُ
[ الصّافات : الآية 152 ] فهذا وما شابهه لا يخفى ما فيه ؛ فتأمل . ومنهم من أجاز الوقف عليها ولم يجوّز الابتداء لما تقدم ، ومنهم من أجاز السكت على رأس كل آية أي من دون تنفس ؛ فهذه ثلاثة مذاهب تتعلق بالوقف الحسن ، فاختر لنفسك منها ما يحلو ، واللّه أعلم .
لكن الذي نقلناه عن مشايخنا مشافهة هو المذهب الأوّل ، وهو المشهور عند غالب أهل هذا الفن ، ثم اعلم أنه قد يكون الوقف حسنا على تقدير ، وكافيا على آخر ، وتامّا على غيرهما ، نحو قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : الآية 2 ] يجوز أن يكون حسنا إذا جعل
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[ البقرة : الآية 3 ] نعتا
لِلْمُتَّقِينَ
وأن يكون كافيا إذا جعل
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
رفعا بمعنى هم الذين ، أو نصبا . بتقدير أعني الذين ويجوز أن يكون تامّا إذا جعل
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
مبتدأ خبره
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : الآية 5 ] .
وقد يكون الوقف حسنا والابتداء قبيحا نحو قوله :
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ
[ الممتحنة : الآية 1 ] ؛ فالوقف حسن والابتداء ب
وَإِيَّاكُمْ
[ الممتحنة : الآية 1 ] قبيح لفساد المعنى ، إذ يصير تحذيرا عن الإيمان باللّه تعالى ، وقد يتأكد الوقف الحسن لبيان المعنى المقصود كما تقدم