لم يجحد المسلمون يوما أنهم اتصلوا بالثقافة والفلسفة اليونانية منذ عصر الترجمة التي ابتدأت تحديدا في عهد خالد بن يزيد بن معاوية الأموي . ثم أخذت تتطور حتى بلغت أوج عظمتها في عهد المأمون . وقد استقى المسلمون هذه المعارف الإغريقية عن طريق المدارس الشهيرة المنبثة في الشرق كالرّها وحرّان وجند سابور .
كما اتصلوا بالمراكز الثقافية الرومانية الأخرى واستجلبوا منها الكتب والمعارف المتنوعة وترجموها إلى اللغة العربية واستفادوا منها في جميع مجالات الحياة . وكانت تلك المراكز تحوي خليطا من الثقافة الإغريقية الرومانية . وقد وصلت إلينا عناوين الكتب المترجمة إلى العربية عن طريق كتاب الفهرست ل « ابن النديم » وعن طريق المصادر العربية الأخرى ، ولكننا لم نطلع على اسم مرجع قانوني واحد تمت ترجمته من اليونانية أو اللاتينية إلى اللغة العربية . نعم لقد شملت حركة الترجمة سائر الميادين العلمية من فلسفة وطب وهندسة وجغرافيا وفلك وغيرها ولكنها جاءت خالية من أي كتب قانونية مهما كان نوعها أو مصدرها « 1 » .
وعندما ازدهرت حركة الترجمة ونقلت معظم المعارف اليونانية والرومانية والهندية والفارسية إلى اللغة العربية ، كان الفقه الإسلامي قد تطور قبل ذلك التاريخ ، وأصبحت مصادره الرباعية واضحة المعالم ، وبلغ شأوا من التقدم والرقي دون أن يتصل بهذه الثقافات الأجنبية مهما كان نوعها . ومهما قيل عن أصول « القياس » الأجنبي فإن الحقيقة الواضحة أن قواعده ومصطلحه وأركانه موجودة منذ عهد الرسول ، وبدا واضحا كذلك إبان عصر الخلفاء الراشدين خاصة في رسائل « عمر » القضائية إلى ولاته التي يظهر فيها القياس التمثيلي التلقائي عندما يخاطبهم حاثّا إياهم على استخدام الأشباه والنظائر . كما أن المستشرقين الذين يذهبون إلى تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني يقرون بعدم اطلاع الفقهاء المسلمين على أي كتاب قانوني مترجم من القانون الروماني إلى اللغة العربية .
لقد أصرّ « شاخت » في آرائه التي أوضحناها لك على أن القانون الروماني انتقل إلى فقهاء المسلمين عن طريق الأشخاص المثقفين ثقافة إغريقية عالية بعد اعتناقهم
هامش
( 1 ) ابن النديم ، الفهرست ، دار المعرفة ، بيروت ، ص 331 - 441 تحدث ابن النديم عن أسماء المترجمين والكتب المترجمة من الأمم الأخرى إلى اللغة العربية ولم يترك علما إلّا أشار إليه في هذه الصفحات الطويلة ، ولم نجد كتابا قانونيا واحدا ترجم من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية .