الفتوحات الإسلامية حتى تبوأت مكانتها السامية . بل كان لها ذلك السلطان التشريعي منذ عهد الرسول باعتبارها وحيا إلهيا مرويا بألفاظ الرسول خلافا للقرآن . وكل تحليل يخالف هذه الحقيقة باطل من الناحية العلمية . فمكانة السنة الرفيعة التي تأتي في الترتيب بعد القرآن لم تكن وليدة تطور الجماعة الإسلامية بمقدار ما كانت أساسا للتشريع منذ بداية الدعوة الإسلامية . ولم تكتسب السنة هذه المكانة في العصور الإسلامية المتأخرة كما أراد لها المستشرقون ذلك ، ولكنها تمتعت بها منذ البداية وحتى النهاية . ولكننا نؤكد أن مكانة السنة تأتي بعد القرآن في الاعتبار ، ولا يصار إليها إلا إذا لم يوجد في الكتاب ما يفي بذلك .
ثالثا : شرحنا بتفصيل وإسهاب كبيرين آراء المستشرقين حول تطور الحديث في العصرين الأموي والعباسي . وتعرضنا في هذه المباحث إلى جزئيات كثيرة تعرض لها المستشرقون بحثا وتحليلا . وقمنا بالرد على جميع الشبهات التي أثيرت حولها ، وأثبتنا بالدليل والبرهان العلميين خطل آرائهم بالخصوص . ونفينا خضوع الحديث للتطور في هذه الحقب التاريخية المتقدمة ، ودحضنا ذلك الرأي القائل بأن معظم الأحاديث المنسوبة إلى الرسول لم تكن موجودة في الزمان الذي ادعى أنها تنتمي إليه . وأكثرنا من إيراد الشواهد الفقهية والتاريخية التي تبرهن على بطلان « نظرية تطور الحديث » . بل اكتشفنا الكثير من التحريف والتدليس في إيراد النصوص الإسلامية التي قصد منها خلاف ما ترمي إليه . وبرهنا على أن العصر الأموي لم يكن من الناحية الدينية والثقافية بذلك السوء الذي يوصف به . ونفينا عن علماء المسلمين الأوائل وضع الأحاديث لخدمة الأغراض السياسية أو الدينية أو المذهبية . وقادنا هذا التحليل إلى وضعية السنة في العصر العباسي وبيان خصائصها في هذه الحقبة الإسلامية التي تغير فيها العديد من المفاهيم والقيم السياسية والدينية الأولى وتطرقنا إلى خصائص هذا النظام السياسي المتسم ظاهريا بالطابع الديني وأثره على السنة النبوية . ودحضنا رأي المستشرقين حول الدور التشريعي للسنة في هذه المرحلة ، وبيّنا أن اختلاف الفقهاء لم يكن ناتجا عن تطور الحديث في هذه الحقبة بمقدار ما كان راجعا إلى الاختلاف في اجتهاد العلماء واستنباطهم الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، ونفينا عن الفقه الإسلامي تأثره بالقوانين الرومانية ، ووصلنا إلى نتيجة علمية مفادها عدم وجود ذلك الاختلاف العميق بين مدرستي الحديث والرأي . كما وصلنا في النهاية - وبعد استعراض مفصّل لآراء المستشرقين - إلى أن الحديث لم يتطور بتطور الحياة
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 557
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٥٧