تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
وبرهنا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لم تكن بتلك الكثرة حتى تؤثر على صدقية الأحاديث الصحيحة ، كما أنها لم تؤلّف خطرا عليها أيضا لأنها لا تحرّم الحلال أو تحل الحرام . ورأينا كيف شهد المستشرقون للمسلمين بهذه الجهود الجبارة التي سلكوها للدفاع عن السنة ، وهي نتيجة علمية تؤدي بداهة إلى عدم خضوعها للتطور الذي حاولوا إلصاقه بها . وهذه الجهود قد تكللت في النهاية بالنجاح وأدت إلى إيجاد علوم أخرى جديدة ، ساعدت على تطور الثقافة الإنسانية كعلم « الجرح والتعديل » و « علم الحديث » وغيرها من العلوم الأخرى التي تبرهن على عقلية إنسانية سامية لا تقل إن لم تتفوق على العديد من العقول الإنسانية الأخرى على مر العصور . سادسا : أقر المستشرقون بتدوين الحديث منذ العصر المبكر من العصور الإسلامية الأولى وبوجود مدونات مكتوبة له منذ عهد الصحابة وبرهنوا - بعد اطلاعهم على العديد من المصادر القديمة والنقوش - على أن الكتابة كانت معروفة لدى العرب الأوائل . وبالتالي فإنهم لم ينفوا كتابة الأحاديث في ذلك الزمن المبكر من الدعوة الإسلامية . وبالرغم من شك جولد زيهر في العديد من الصحف التي دون فيها الحديث مبكرا فإنه يقر بصراحة ويصف بالخطإ ذلك الاعتقاد الذي ساد في أوساط بعض العلماء من أن الرسول أمر بتدوين القرآن ومنع تدوين السنة لتنقل شفاها . ولكن خطأه يتجلى واضحا عندما يفسر وجهتي النظر المختلفتين حول تدوين الحديث أو النهي عنه بأنهما أثر من آثار تسابق أهل الحديث في جانب وأهل الرأي في جانب آخر إلى وضع الأقوال المؤيدة لنزعتيهم المتباينتين . وقد وصلنا من خلال بحثنا لهذا الموضوع إلى أن الرسول لم ينه عن كتابة الحديث وتدوينه حال حياته ، كما أن هناك العديد من الصحابة من كتب الحديث ودوّنه في صحف مشهورة منقولة بكاملها أو أجزاء منها في كتب لاحقة . إن هذه الدراسة التي قمنا بتدبيجها استغرقت منا وقتا طويلا ، وجهودا كبيرة ، ونفقات باهظة ، وصبرا جميلا ، ومعاناة مؤلمة . ومع ذلك فإننا نشعر بالقصور الشديد فيها لأن أدوات البحث ما زالت تنقصنا ، ومنغصات الحياة اليومية تسلبنا جزءا كبيرا من تفكيرنا ، والظروف الاجتماعية والثقافية السائدة لا تزال تعكر صفونا . ولكننا حاولنا وسنحاول دوما تقديم أي شيء مهما كانت قيمته لأن الجد والاجتهاد أفضل من الركون إلى الكسل والخمول . فالحياة ويا للأسف قصيرة لا تمكّن المرء أبدا من تحقيق كل طموحاته ، ومسؤوليات المثقفين - خاصة في البلدان النامية - جسيمة ، وكل تنكب