تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
ترتيب الرسول للقرآن بهذه الطريقة على قوله عليه السّلام : « أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة . . . » . وغير ذلك من الأدلة الكثيرة . أما ما يقال عن إتيان الحارث بن خزيمة بالآيتين الموجودتين في آخر سورة براءة ، وقول عمر : لو كانتا ثلاث آيات لجعلتها على حدة ، فانظروا إلى آخر سورة من القرآن فألحقوهما في آخرها . فإن هذه الرواية لا تستقيم وإجماع الأمة على أن ترتيب القرآن توقيفي لا اجتهاد فيه ، ونحن لا نستبعد وجود بعض آيات عند الصحابة وفقدانها عند بعضهم الآخر ، فلما جمع القرآن وجدت هاتان الآيتان لدى خزيمة بن ثابت ولم توجد مع غيره فأمره عمر بوضعهما في آخر سورة نزلت من القرآن . وهذا رأي سديد ، لا يناقض الترتيب القرآني ، يضاف إلى ذلك أن القرآن هو فن آخر من فنون القول لا علم للعرب به ، وهو معجز يتحدى العرب الفن الذي لا يخضع لترتيب معين . والقرآن لو رتب ترتيبا تاريخيا أو موضوعيا لكان كتابا تاريخيا شأنه شأن بقية الكتب الأخرى ، ولكنه كان كتابا بيئيا فهو يعكس زمنا معينا وبيئة معينة ، وأورد من الأحكام والتشريعات التي تكون صالحة لكل الأزمنة وفي كل الأمكنة ، وبالتالي هو لا يحتاج إلى الترتيب الموضوعي والتاريخي الذي درجت عليه الكتب الأخرى . فإذا كان الأمر كذلك ، وإذا كان المستشرقون قد طعنوا في صحة القرآن من حيث جمعه وتمحيصه وتدقيقه ، فقد وجدوا مطعنا آخر انصب على ذات الموضوع . وهو اختلاف آياته وأحكامه طبقا للقراءات والأحرف السبعة الموجودة فيه ، فما هذه الشبهة يا ترى ؟ .

المبحث الخامس المستشرقون وقضية نزول القرآن على سبعة أحرف

سنحاول التعرض في هذا المبحث لموضوع من المواضيع الشائكة التي أثارها المستشرقون حول القرآن الكريم ، لطعنهم في عدم صحته ، واختلاف الألفاظ الواردة فيه . وحدوث تغيير في نصوصه ، الأمر الذي يوقع الشك والارتياب في صحة النص القرآني . كما أن الأخذ بقضية نزول القرآن على سبعة أحرف والذي أجمع على تفسيره المسلمون بأن المراد به « سبع لغات » يتنافى وما قرره علماء اللغات من أن القرآن قد نزل بلغة قريش وحدها دون سواها من لغات القبائل العربية الأخرى ، ثم إن الأخذ بهذا
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 329 | ساسي سالم الحاج