وتصرفاتهم تجاه أولئك الرسل ، ومجازاتهم طبقا لتصرفاتهم ، كما يخبرنا عن كثير من الأمور المستقبلية التي لا نزال نجهلها . ومتضمنا للعديد من العلوم والمعارف والمكتشفات التي توصلنا الآن إلى بعضها والأخرى ما زالت في طي الكتمان .
وبيان ذلك اشتمال القرآن على تحقيق الكثير من القضايا والمسائل العلمية والتاريخية التي لم تكن معروفة زمان نزوله ، ثم اكتشفها البشر بعد النظر والتحقق والبحث فيها ، خاصة المعارف المتعلقة بطبيعة الكون ، وتاريخ البشر ، والسنن التي أجراها اللّه وسيّر بها الكون ، كتأثير الرياح على تلقيح الأشجار ، وكانفصال الأرض عن الكواكب الأخرى مصداقا لقوله :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
« 1 » ، وكإيراد العديد من الآيات الدالة على كروية الأرض ، ودوران الأفلاك مع بعضها في الفضاء وفقا لنظام محكم دقيق .
ومن خصائص القرآن الكريم أن بعضه نزل بمكة وبعضه الآخر نزل بالمدينة ، ويمتاز كل نوع بخصائص فنية ولفظية وعلمية ، وكان هذا الاختلاف مثار انتقاد المستشرقين كما سنرى .
وقد اعتمد العلماء هذا التقسيم عند مراعاتهم للمكان الذي نزل فيه القرآن ، وهو بذلك يعتمد على تحديد جغرافي سليم ، كما لوحظ فيه زمن النزول ، ومن مميزات هذا التقسيم تمييز الناسخ من المنسوخ بحيث نحكم على أن الآيات المدنية تنسخ الآيات المكيّة نظرا لتأخر المدني عن المكي ، ومنه نستطيع معرفة تاريخ التشريع وتدرجه ، ومنه نؤكد صحة وصول القرآن إلينا سالما من التبديل والتحريف لاهتمام المسلمين به ، ومعرفتهم بنزوله آية آية ، وفي أي شيء نزلت ، وأين نزلت مكانا وزمانا ، وهم بذلك ضمنوا وصول القرآن إلينا صحيحا خاليا من التعديل والتغيير .
حدد علماء المسلمين الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني وخصائص كل منهما ، والفروق بينهما ، وأسلوبهما ، وكان هذا الموضوع مثار شبهات المستشرقين ، وأحد المطاعن التي حاولوا الطعن بها في القرآن ، وسنورد هذه الشبهة في مكانها مع تلمس الردود العلمية عليها .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 30 .