تمتاز المدرسة الاستشراقية الروسية باهتمامها بالأدب العربي بصفة خاصة ، وأنتجت لنا علماء في هذا التخصص أكثر من غيرهم في فروع الدراسات العربية الأخرى . كما تراوحت هذه المدرسة بين الدراسة الموضوعية الجادة وبين العداء للإسلام خاصة بعد التغيرات السياسية التي حصلت في روسيا بعد الثورة البلشفية . كما تميزت الدراسات الشرقية الروسية بالاستعانة بسكان آسيا الوسطى وتحضيرهم علميا في هذا المجال ، ودعوة المتخصصين العرب للعمل في كلية اللغات الشرقية مثل الشيخ طنطاوي ، ومكي أحمد بن حسين المكي ، وعبد اللّه كلزي وغيرهم كثيرون . وقد ساهم هؤلاء العلماء في رسوخ قدم الاستشراق بما أتاحوا للدارسين الروس تعلم العربية والاطلاع على تراثها .
كما تمتاز هذه المدرسة بعدم سعيها إلى تحقيق أغراض دينية أو سياسية ، فلم تكن لروسيا أطماع في الشرق بعد أن احتلت آسيا الوسطى ، وكانت معظم دراساتها تمتاز بتحقيق الغرض العلمي المجرد . إلّا أن لهذا الحكم استثناءات خاصة إذا علمنا تعقيدات السياسة الدولية الراهنة ، ومحاولة الاتحاد السوفييتي إيجاد قدم له في الشرق والوصول إلى البحار الدافئة . وهذه العوامل تحتاج إلى دراسة مسبقة للتعرف إلى الأرضية المزمع تحقيق هذه الأنشطة فيها . وأخيرا فإن المدرسة الروسية قد امتازت بتصنيف المخطوطات العربية في أشهر جامعاتها وهي مخطوطات عربية نادرة وثمينة جدا تتناول أعمال المفكرين العرب مثل الفارابي وابن رشد وابن سينا والرازي وغيرهم ، وهذا الكنز العظيم لا يزال مجهولا لنا وينتظر من ينفض عنه الغبار إذا سمحت الدوائر السوفييتية بذلك .
المطلب الثامن خصائص الدراسات الاستشراقية في الولايات المتحدة
كان اهتمام الولايات المتحدة بدراسة اللغة العربية يرجع في أساسه إلى محاولة فهم اللغة العبرية لفهم التوراة ، وإدراكهم ما للعربية من أهمية بما احتوته من تراث إنساني في مضمار العلم والمعرفة . وكان الاهتمام الأميركي انصب منذ البداية على الحملات التبشيرية التي قذفت بها إلى الشرق للتبشير بالمسيحية . وأول بعثة من هذا القبيل وصلت إلى لبنان عام 1830 م ، وأنشأت أول مدرسة لتعليم البنات داخل