تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
تغفل بل يجب النظر إليها بعين التقدير والإعجاب . فهو عندما ألف كتابه الشهير « تاريخ الأدب العربي » فقد قصد به : كل ما صاغه الإنسان في قالب لغوي لتوصيله إلى الذاكرة ، ولم يقتصر على تلك النظرة العربية البحتة للأدب العربي ، المحدودة بحدود الزمان والمكان ، والتي تتجه في مجملها إلى تنمية الذوق الأدبي ، أو تربية ملكة النقد المنهجي ، أو الوصف التاريخي بين أساليب الكلام العربي ، ومنازع إنشائه وصياغته ، ومذاهب مدارسه في مختلف العصور الأدبية . ولكنه نظر في حقيقة أمره إلى الاتجاه الإنساني العالمي الشامل الذي لعبته الثقافة والفكر العربيان . فهو قد نظر إلى الحياة العربية العقلية قبل كل شيء . . . إلى مكان هذه الحياة في العالم المحيط بها ، متى ظهر احتكاك أو اتصال بذلك العالم . وهو بذلك لم يحدد مفهوم تاريخ الأدب العربي كثمار الشعر فقط بأوسع معانيه فحسب ، كما هو مفهوم لدى شعوب الثقافة الحديثة . ولكنه حدد هذا المصطلح بجمعه « آثار المعرفة إلى آثار فنّ القول » . وبذلك أدخل إلى الأدب تاريخ العلوم المختلفة في دائرة البحث الأدبي التاريخي . ومن هنا نستطيع أن نقول : إن مفهوم الأدب العربي عند بروكلمان هو « المأثور من المنظوم والمنثور » . ومن ثم ينبغي على مؤرخ الأدب العربي أن يدخل كل ظواهر التعبير اللغوي في دائرة عمله ولا يجوز له الاقتصار على فن القول في نطاق أضيق إلّا في العالم الحديث . ومن هنا كان كتاب بروكلمان شاملا للشعر ، والنثر ، والتاريخ ، وأدب السمر ، وكتب الثقافة العامة ، وعلوم القرآن والحديث والفقه ، والطب والجغرافيا والعلوم الطبيعية والخفية والموسوعات . وبعبارة واحدة جامعة مانعة كل ما له علاقة بالثقافة الإنسانية في أسمى معانيها ، وأبهى صورها ، وأجلّ منظر لها . ويعتبر كتاب بروكلمان موسوعة لا غنى عنها لأي باحث في الدراسات العربية والإسلامية وأهم سفر ألف في موضوعه ، ويمتاز بمنهجية صارمة لا نظير لها . وقد قضى مؤلّفه خمسين سنة من عمره وهو يجمع ويدرس ويراجع مواد كتابه حتى وصل إلى ما هو عليه من الضخامة والإتقان والإبداع . وإذا تركنا بروكلمان ونشاطه الذي لا نظير له في مجال الدراسات العربية فإننا لا ننسى في هذا المقام « بيكر » و « شاخت » ، إلّا أننا نرجئ البحث فيهما حيث سنتناول الأول في الفصل الخاص بمناهج المستشرقين ونتعرض للثاني في الفصل الخاص بالمستشرقين والسنة النبوية . ويطول بنا المقام لو أردنا تتبع المستشرقين الألمان ومساهماتهم في مجال
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 133 | ساسي سالم الحاج