تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
بالجهل ، أو أن يتحكم الهوى ، وتتغلّب الأغراض فتجور بصاحبها عن نهج الصواب ، وتعدل به عن طريق الحق ، فلو أصاب أحدهم مع هذه النية فقد أخطأ وأثم ، ولا شك أن الذين يجتهدون في تحرى الحق متجرّدين له من أهوائهم فهم مثابون ، إن أخطئوا فلهم أجر ، وإن أصابوا فلهم أجران إن شاء اللّه . وبهذا يجمع بين رغبة السلف في التفسير وتعظيمهم لقدر المفسرين ، وبين خوفهم من القول في القرآن بالرأي ، وما ورد في النهى عن ذلك « 1 » .

تأثر أسلوب التفسير بالثقافات والعصور المختلفة :

ولا شك أنّ أسلوب التفسير قد تأثّر بالتطوّرات الاجتماعية والثقافية في العصور الإسلامية المختلفة ، فبدأ أول ما بدأ هينا يسيرا ساذجا . يتناول بعض الآيات وبعض الألفاظ والوقائع لاستغناء الناس عن ذلك بسليقتهم العربية وذوقهم اللساني الذي ما زال متمكّنا منهم ، وما زالوا مقيمين عليه ، واكتفاء بالسنة العملية التي شاهدوها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومع أصحابه والتابعين لهم بإحسان . وجاء عصر التدوين والقصص ، فكتبت في التفسير رسائل لا تعدو أن تكون روايات منقولة وأقاصيص ، منها ما هو صحيح يتصل بأسباب النزول ، ووقائع الأحكام ، ومنها ما هو منقول عن أهل الكتاب فيه الغث وفيه السمين ، وعرف بذلك مفسرون ، ووضعت كتب على هذا الأسلوب الذي يعرف بأسلوب الرواية أو " التفسير بالمأثور " لا شك أن من أعظمها وأجلها وأبقاها وأنفعها وأغزرها مادة تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 ه واسمه " جامع البيان في تفسير القرآن " .
هامش
( 1 ) وجّه الحديث الوارد في النهى عن القول في القرآن بالرأي هذا التوجيه : ابن عطية في تفسيره ، وابن كثير في تفسيره أيضا ، ولابن كثير كلمة جيدة ننقلها للأهمية ، يقول رحمه اللّه : " هذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه . فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه ، ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة ، لأنهم تكلموا فيما علموه ، وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به ، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه " انظر : تفسير ابن كثير ( 1 / 6 ) ، ونحا هذا النحو في توجيه النهى عن تفسير القرآن بالرأي : الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء ( 1 / 288 - 293 ) وكذلك ابن الأثير في " جامع الأصول " ( 2 / 4 - 6 ) .