الحاجة إلى التفسير :
ولهذا كانت الحاجة ماسّة إلى التفسير المفهم الذي تتّضح به المعاني والمقاصد بحسب مدارك البشر ، وما تتّسع له عقولهم ، وإن كان القرآن في الحقيقة قد يسره الله للناس تيسيرا عجيبا
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
[ القمر : 17 ]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
[ مريم : 97 ]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[ الدخان : 58 ] ، ولكنه بعد تبلبل الألسنة وفشو اللحن ، وانتشار العامية ، والبعد عن الفصحى ، صار الناس في حاجة إلى تفسير الألفاظ والتراكيب التي قد يغيب معناها عن أذهانهم ، أو يخفى مدلولها عن إدراكهم ، هذا مع أنّ القرآن الكريم هو دستور الدين والدنيا . وقد ضمنه الله من علومهما ، وما يتصل بهما من المعارف ما تتفاوت في إدراكه عقول الناس ، وما لا يزال الزمن والبحث يكشف عن درره وجواهره ، ويبين من غرائبه وعجائبه ،
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصلت : 53 ] .
وسئل علىّ كرم الله وجهه : هل خصّكم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بشيء أهل البيت ؟ قال : لا ، إلا فهما أوتيه رجل في كتاب الله ، وما في هذه الصحيفة . وعرض عليهم صحيفة فيها بعض الأحكام « 1 » .
ومن هنا نشأ علم التفسير بسيطا « 2 » ، ثم ما زال الناس يتوسّعون في شأنه حتى ورثنا مجموعة ضخمة من التفسير كان بعضها هداية ونورا ، وكان بعضها موسوعات علمية فيها كل شئ إلا تفسير القرآن .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 1 / 191 ، 197 ) والبخاري ( 111 ) و ( 3047 ) و ( 6903 ) و ( 6915 ) والترمذي ( 1412 ) والنسائي في " المجتبى " ( 4744 ) وفي " الكبرى " ( 8682 ) وأبو داود ( 4530 ) وابن ماجة ( 2658 ) والبزار ( 714 ) وأبو يعلى ( 338 ) و ( 628 ) والبيهقي ( 8 / 28 ) والطبراني في " الأوسط " ( 5277 ) وعبد الرزاق في " المصنف " ( 18507 ) عن أبي جحيفة .
( 2 ) يقصد الإمام بكلمة بسيطا هنا بمعناها الدارج بين الناس ، وهو اليسير المختصر ، وإلا فمعناها لغويا من البسط ، أي : المد والتطويل .