وجاء عصر الترجمة والفلسفة والاتّصال بعلوم الفرس واليونان ، ووقع الخلاف بين فلاسفة الإسلام وعلمائه في كثير من الشؤون العقدية والفروع الفقهية وما إلى ذلك ، فنحت كتب التفسير نحو هذا الأسلوب من حيث تضمّنها لكثير من النظرات الفلسفية ، والاستدلال بالآيات على الآراء والمذاهب العقدية المختلفة ، بل إنّ كثيرا من المفسرين كان يجتهد أن يستنبط من الآية ما يوافق مذهبه في الفروع ، وذلك أمر طبيعي ، وكثير من كتب التفسير إنما كان الدافع إليه مجرد الرد على بعض الكتب السابقة ، ويرى ذلك واضحا في تفسير الفخر الرازي المتوفى سنة 606 ه والمسمّى " مفاتيح الغيب " ، وفي تفسير الزمخشري المتوفى سنة 528 ه وهو المسمّى " بالكشاف " وأضرابهما ، ويطلق بعض الباحثين على هذا الأسلوب " التفسير بالمعقول " .
وكثيرا ما تناول بعض اللغويين تفسير القرآن الكريم ، فصرفوا وجهتهم إلى النكات البلاغية ، والتوجيهات اللغوية ، والاستعمالات النحوية وهكذا . . . كما ترى ذلك في تفسير الزّجّاج والواحدي وأبى حيان الأندلسي . وما زال بين يدينا كتاب ( المفردات ) للراغب الأصفهاني .
واتّجهت وجهة كثير من المفسّرين العصريين إلى مسايرة النهضة العلمية ، وبيان ما تناوله القرآن وأشار إليه من أصول العلوم الكونية ونواميسها ومظاهرها كما فعل ذلك الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره " الجواهر " « 1 » .
كما اتجهت وجهة آخرين إلى بيان السّنن الاجتماعية ، وأساليب الهداية النفسية ، وأسباب التطورات التاريخية ، واستنباط ذلك من آيات القرآن الكريم ، ليكون حافزا للمسلمين إلى استعادة مجدهم بالقرآن ، وربط حياتهم الاجتماعية بتعاليمه وشرائعه ،
هامش
( 1 ) هو الأستاذ طنطاوي جوهري الملقب بحكيم الإسلام ، من قرية ( وراق العرب ) إحدى ضواحى الجيزة . بايع الإمام البنا على أهداف ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين ، وكان موضع الاهتمام والتقدير العلمي في الأوساط العلمية ، بل والمستشرقين ، وكان رئيسا لتحرير مجلة ( جريدة الإخوان المسلمين ) الأسبوعية ، ومن مؤلفاته : تفسير ( الجواهر ) وكتاب ( الأرواح ) توفى سنة 1358 ه - . وقد كتب تفسيره للقرآن الكريم المسمى بالجواهر ، وللأسف ملأه بالتفسير العلمي للآيات ، وأسرف في إيرادها ، حتى خرج عن مجال التفسير ، حتى قيل عن تفسيره : فيه كل شئ إلا التفسير .