تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤

[ تهمة قسوة الشريعة الإسلامية ]

أما تهمة القسوة والشدة في الحدود التي جعلت بعض الذين لا يعلمون يتطاول إلى وصفها بالوحشية والرجعية والهمجية إلى غير هذه الأوصاف ، فأمر مقصود لحكمة سابقة ونظرة عالية يكشف اليوم عن جلالها وجمالها ودقتها وروعتها ما ذهب إليه المشرّعون العصريون من أن العقاب علاج لا مجرّد جزاء ، وأنه يجب أن يساير طابع النفوس وغرائزها ، ويصدر عن علم بخفاياها ودقائقها ، والحدود الإسلامية مبنية على ذلك في صورتها ، فهي تبدو في شكل من القسوة يرهب ويخيف حقّا ، ولكن لعدد محدود من الجرائم يتّصل بالغرائز الإنسانية التي لا بدّ لردعها وعلاجها من هذه الصورة من الدواء ، حتى إذا وصل الأمر إلى يد القاضي ، فهناك طرق الإثبات ، وهناك " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " « 1 » . ولن تجد بعد ذلك تشريعا أرفق وأرحم ، ولا أدق وأكرم من تشريع الإسلام ، وخذ مثلا لذلك حد الزنى ، وهو أقسى الحدود في نظر الناس فهو جلد على ملإ من الناس ، أو رجم بالحجارة إلى الموت ، كيف يثبت ؟ ! لا يمكن إلا بالشهادة بصورتها المعروفة ، ولن تتوفر ، أو بالإقرار ولا عذر لمن أقر ، حتى إذا عرفت للقاضي أضيق ثغرة ، أو وقعت في نفسه أدنى شبهة عدل عن الحد إلى ما دونه ، وهو التعزيز والتأديب بما يناسب من العقوبات ، وبذلك تجمع هذه الحدود بين الصورة الرادعة والرحمة الوادعة ، ولن يستقيم ذلك بعد تشريع العليم الخبير ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . فيا أيها الذين يريدون الاستناد إلى الأوهام : حسبكم وعودوا إلى أحكام الله ، ففيها الدواء والشفاء ، و " لحدّ من حدود الله يقام في أرضه ، خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا " « 2 » .
هامش
( 1 ) هذه قاعدة شرعية مستنبطة من قوله صلى اللّه عليه وسلم : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الإمام أن يخطئ في العفو ، خير من أن يخطئ في العقوبة " رواه الترمذي ( 1424 ) . ( 2 ) رواه أحمد ( 3 / 47 ، 118 ) وابن ماجة ( 2538 ) والنسائي في " المجتبى " ( 4904 ) وفي " الكبرى " ( 7391 ) وابن حبان ( 4398 ) وأبو يعلى ( 6111 ) والبيهقي في " الشعب " ( 7381 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
نظرات في كتاب الله — صفحة 554 | حسن البنا