تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
تراهم مرة يقترحون عليه أن يرجع بهم إلى عبادة الأوثان فيقولون : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، وتارة يأبون أن يؤمنوا حتى يروا اللّه جهرة ، وتارة ينقلبون بعد إيمانهم كفارا يعبدون عجل السامري ، وتارة يرمونه بالزّور والبهتان وهجر القول ؛ حتى برأه اللّه من إفكهم بعد أن ينال الأذى من نفسه ، فتسمع منه كلمة العاتب الأسيف :
يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
[ الصف : 5 ] . وكانت خاتمة المطاف : أن جبنوا عن دخول بلدهم واستعادة وطنهم واستنقاذ أرضهم من أيدي الغاصبين المخرّبين المدمرين ، مع أن اللّه وعدهم النصر وكفل لهم التأييد ، ولكنهم أصرّوا على موقفهم وقالوا :
يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
[ المائدة : 24 ] ، ففرّق اللّه بينهم وبينه ، وكتب عليهم الفتنة ، وخرج موسى من الدنيا وهو كظيم على هذه الأمة الرعديدة يتطلع إلى أرض الميعاد من جبل ، ولا يجد من هؤلاء الجبناء من ينهض بحق الوطن . ذلك موقف اليهود من نبيهم ، وأما موقفهم من المسيح عليه السلام ، وإنه الصدّيق ، فموقف الجحود والإنكار ، والتحدّى الصارخ ، والتجربة تلو التجربة ، والدسيسة بعد الدسيسة ، تارة بينه وبين الشعب ، وأخرى بينه وبين الحكومة ، حتى انتهت المكايد بأن رفعه اللّه إليه ، وأحبط أعمالهم ، وردّ في نحورهم كيدهم ، وسجّل الخزي عليهم :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 155 ) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ
[ النساء : 155 - 157 ] . حتى إذا بعث سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كانوا يؤمنون به قبل بعثه ، ويبشّرون الناس بنبوّته ، ويستفتحون به على الذين كفروا ، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، وكانوا مثال النفاق والإرجاف حتى أذلهم اللّه ، وأرغم معاطسهم « 1 » ، وأخرجهم من جوار نبيه ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار .
هامش
( 1 ) المعاطس : أي الأنوف ، وهي جمع : معطس أي أنف . انظر : مختار الصحاح ص 439 ، والقاموس المحيط ص 720 ، ولسان العرب ( 6 / 142 ) .