[ من دلائل الإيمان : الرضا بحكم اللّه ورسوله ]
« 1 »
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
[ النساء : 65 - 68 ] .
في صدر هذه الآية الكريمة أمر من [ اللّه ] للمؤمنين أن يقوموا بالطاعة لله وللرسول ولأولى الأمر منهم ، الذين يشاركونهم إيمانهم ويحرسون دينهم وعقيدتهم ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وإلا انتفت عنهم صفة الولاية إذا خالفوا هذه القواعد ، لأنهم حينئذ لا يكونون من المؤمنين .
ثم بيّن تبارك وتعالى أن الخلاف إذا وقع بين الراعي والرعية ، أو بين ولى الأمر والمأمور ردّ ذلك الخلاف إلى اللّه ورسوله ، إلى القانون العام إلى الدستور الخالد الذي تركه فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى كتاب اللّه وسنة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم كان الحكم في ذلك الخلاف لذلك الدستور ، فإذا قضى لأحد الفريقين لزمه القضاء .
هذه هي القاعدة المنطبقة التي يجب أن يسلّم بها كل مؤمن اعتقد صدق الرسول وأحقيّة القرآن سواء أكان حاكما أو محكوما .
ولكن قوما مرضى القلوب من المنافقين أبوا هذا التسليم ، ولجأوا إلى أحكام الجاهلية وتمرّدوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهم ، واعترضوا عليه ، فعاتبهم اللّه عتابا مريرا ، وبيّن أن ذلك لا يتفق مع الإيمان ، فذلك قوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
[ النساء : 60 ] ، وبيّن أن ذلك هو النفاق الذي يورث الصدود عن « 2 » الهدى ، وبيّن أنهم إنما ينزلون على حكم اللّه ورسوله إذا كان مفيدا لهم موافقا لأهوائهم ، أما إذا كان في كبح جماح شهواتهم فلا .
هامش
( 1 ) نشرت في مجلة ( النذير ) في العدد ( 21 ) من السنة الثانية الصادر في 22 من جمادى الأولى سنة 1358 ه .
( 2 ) كتبت في المقال على والصواب ما أثبته ولعله من خطأ الطباعة .