يستهين أحدهم بأخيه فيهزأ منه ، ثم يلمزه ويعيبه ، ثم يناديه بلقب يكرهه ، فتتولّد من ذلك كراهية وبغضاء ، لهذا أدب اللّه المؤمنين بترك هذه الخصال ، وسدّ هذا الباب حتى تظلّ وحدتهم سليمة ، وكلمتهم مجتمعة .
واعلم - يا أخي - أن الألقاب المستقبحة إذا جرت مجرى الأعلام ، ولم يكن صاحبها يتأذّى بها لاستملاحها : فإن نداءه بها لا يكون نبزا ، كما يقال : سليمان الأعمش ، وواصل الأحدب ، وهكذا . وقد قال ابن مسعود لعلقمة : تقول أنت ذلك يا أعور « 1 » .
والفضل على كل حال : أن يخاطب الإنسان الناس بأحب أسمائهم إليهم ، حتى يعوّد لسانه الطيب من القول .
ثم إن كان من خلق أحد في الماضي فعليه أن يتوب ويستقبل عهدا جديدا ، ويتحلّل من ذلك باستسماحهم وطلب الصفح منهم ، إن لم ينجم عن ذلك شرّ يخشى تطايره « 2 » ، فإن خشي الشرّ : أقبل على الدعاء لهم ، والندم على ما كان منه والاستغفار ، حتى يمن اللّه عليه بالتوبة الصادقة والنصوح ،
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
[ الشورى : 25 ] .
هامش
( 1 ) فات الإمام البنا رحمه اللّه أن يذكر ما يدل على ذلك من السنة النبوية ، فقد ورد في السنة النبوية ما يدل على جواز تلقيب المسلم لأخيه المسلم بما لا يكره ، كقوله لعلىّ رضي اللّه عنه : " يا أبا تراب " رواه البخاري ( 6280 ) ومسلم ( 2409 ) والترمذي ( 3724 ) وابن حبان ( 6925 ) والطبراني في " الكبير " ( 6 / 167 ) عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه ، ورواه أحمد ( 5 / 326 ) والنسائي في " الكبرى " ( 8538 ) والحاكم ( 3 / 151 ) عن عمار بن ياسر رضي اللّه عنهما . وقوله لأنس بن مالك : " يا ذا اليدين " رواه أحمد ( 3 / 580 ) والترمذي ( 1992 ) وقال : صحيح غريب ، وأبو داود ( 5002 ) عن أنس رضي اللّه عنه .
( 2 ) كأن يكون من اغتابه من أهل الشر ، أو ممن لا يحمدون له هذا الخلق ، ويؤدى ذلك إلى إيذائه ، عندئذ يكون الاستغفار له والدعاء أفضل من استسماحه ، وكأن يكون الاغتياب لأهل بلد كاملة ، وهذا يتعذر أن يستطيب أهل البلد جميعا ، عندئذ يستغفر لهم أيضا .