وسأله طعاما ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له : إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك " ، وكان أسامة خازن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى رحله ، فأتاه فقال : ما عندي شئ . فرجع سلمان إليهما وأخبرهما ، فقالا : كان عند أسامة طعام ولكن بخل ، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا ، فلما رجع قالا :
لو بعثناك إلى بئر سميحة « 1 » لغار ماؤها ، ثم انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما جاءا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهما : " ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟ ! " قالا : واللّه يا رسول اللّه ما تناولنا في يومنا هذا لحما . قال : " بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة . فأنزل اللّه عز وجل :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ )
« 2 » الآية .
[ شرح الآية ]
أمر اللّه المؤمنين في هذه الآية أن يبتعدوا عن خصال ثلاث : كثير من الظن ، والتجسّس ، والغيبة « 3 » ، وإنما نهاهم عن هذه الثلاث لأنها موجبة للفرقة والبغضاء ، جالبة للكراهية والعداء ، قاطعة لأخوة الإيمان ، ورابطة الحب الإسلامي ، وكثيرا ما تكون غير حقيقية فيندم صاحبها بعد أن يكون قد قضى الأمر ، وسبق السّيف العذل « 4 » .
قد تقابل أخاك فتراه كئيبا فتظنّ أنه إنما اكتأب لرؤيتك ، وقطّب للقائك ، وأظهر هذا النفور إيذاء لك ، وتبنى على هذا عملا وهو أن تقاطع هذا الأخ وتبتعد عنه ، ثم يتبيّن لك بعد ذلك فساد الظن ، وأنه إنما كان كذلك لأنه وقع له حادث جلل ، كفقد عزيز ، أو خسارة مال ، أو مهمّة من مهمات شأنه أظهرته بالمظهر الذي ظننته نفورا منه ووحشة ، فتندم وتتألم .
هامش
( 1 ) أي : مملوءة بالماء .
( 2 ) انظر : تفسير البغوي ( 7 / 344 ، 345 ) ، وذكره الزمخشري في الكشاف ( 4 / 374 ) وقال ابن حجر في تخريجه : ذكره الثعلبي وربيعة بغير سند ولا راو . وفي " الترغيب " لأبى القاسم الأصبهاني من طريق حماد ابن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بنحوه .
( 3 ) الغيبة بكسر الغين : هي ذكرك أخاك بما يكره . ومن الخطأ اللغوي الشائع الذي يقع فيه عدد من الناس نطق كلمة ( الغيبة ) بالفتح ، والتي معناها : البعد والتواري . انظر : المعجم الوسيط ( 2 / 667 ) .
( 4 ) مثل قاله ضبة بن أد لما لامه الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم ، انظر : مجمع الأمثال ( 1 / 461 ) . وهو مثل يقال عندما يريد الإنسان الرجوع عن أمر ، ويكون قد وصل الأمر إلى مرحلة لا رجوع فيها ، ولا يملك فيها الرجوع .