حين تبين له أن أباه عدو لله تبرأ منه « 1 » . هذا إيمان صادق قوى لا خداع فيه ولا تذبذب ، وإنما يعيش المؤمنون بقلوبهم وعقائدهم ، فاللهم ارزقنا صدق الإيمان .
واعلم يا أخي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرشدنا في أكثر من حديث إلى جليل قدر الأخوة الإسلامية ، وصوّرها لنا في أكثر من حديث أروع تصوير وأدقه . وإليك بعض ذلك وكله في الصحيح « 2 » :
1 - " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتواصلهم : كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر " « 3 » .
2 - " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ، وشبّك بين أصابعه صلى اللّه عليه وسلم " « 4 » .
3 - " إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس " وهذا حديث تفرد به أحمد ، ولا بأس بإسناده « 5 » .
ثم إن الحق تبارك وتعالى أكد بهذه الآية ما أرشد المسلمين إليه في التي قبلها ، من وجوب السعي بالصلح بين المختلفين منهم ، فقال تبارك وتعالى :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
[ الحجرات : 10 ] فشدّ يدك يا أخي على أخوة أهل الإيمان .
وسنبين بعض حقوق هذه الأخوة فيما يلي إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) يشير الإمام البنا إلى قوله تعالى :وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ[ التوبة : 114 ] .
( 2 ) إن كان يقصد الإمام الشهيد بكلمة ( وكله في الصحيح ) : الصحيح بالمعنى المعروف عند علماء الحديث أي في البخاري ومسلم ، فإن الحديثين الأول والثاني في البخاري ومسلم ، ولكن الثالث ليس في واحد منهما . وإن كان يريد بالصحيح - وهذا خلاف المشهور في إطلاق اللفظة عند أهل هذا الفن - ما يصلح للاستشهاد به والاحتجاج فهذا موافق للأحاديث الثلاثة . واللّه أعلم .
( 3 ) رواه أحمد ( 4 / 270 ) والبخاري ( 2586 ) ومسلم ( 2586 ) والبيهقي في " السنن " ( 3 / 353 ) عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه .
( 4 ) رواه البخاري ( 481 ) و ( 2446 ) و ( 6027 ) ومسلم ( 2585 ) والترمذي ( 1928 ) والنسائي في " المجتبى " ( 2560 ) والحميدي في " مسنده " ( 772 ) عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه .
( 5 ) رواه أحمد في مسنده ( 5 / 340 ) عن سهل بن سعد الغامدي رضي اللّه عنه . وقال محققوا المسند :
صحيح لغيره ، انظر : " المسند " برقم ( 22877 ) ( 37 / 517 ) . وحسنه الشيخ الألبانى في " صحيح الجامع الصغير " برقم ( 6659 ) .