تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية ، فيقولون : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وتكذبت رسلها ؛ من عقوبات اللّه وعظيم بلائه ، فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير ، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة ، وأخرى بالخسف ، وذلك هو المثلات التي قال اللّه جل ثناؤه :
( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ )
والمثلات : العقوبات المنكلات ، والواحدة منها مثلة بفتح الميم وضم الثاء ، ثم تجمع مثلات كما واحدة الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات ، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات ، فالواحدة على لغتهم منها مثلة ثم تجمع مثلات مثل غرفة وغرفات ، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء ، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت : أمثلته من صاحبه أمثله مثلا ، وذلك إذا أقصصته منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . اه . وفي الآية تبكيت لهم على هذه الغفلة التي تجعلهم يتناسون الاتعاظ بغيرهم ؛ وتجاهل ما حل بسواهم من السابقين ، وفي المثل : السعيد من وعظ بغيره ، والشقي من وعظ بنفسه « 1 » ، وبهذا تقرر الآية الكريمة ناموس العبرة والعظة ، وتلفت إليه أنظار الأمم والشعوب . واعلم : أن العبرة والعظة لا تنحصر في الفرد ولا في الجماعة على الاعتبار بحال غيرهما وعاقبته ، بل تكون كذلك في الفرد وفي الجماعة بما يقع لهما من الحوادث ، فالفرد الذي يحرص على الاستفادة من تجاربه ونتائج أعماله : يزيد صوابه دائما فتزيد سعادته ويقل خطؤه فيزول شقاؤه ، وكذلك الأمة والفرد الذي لا يعتبر ولا يستفيد من تجاربه ونتائج أعماله : يظل على خطئه وضلاله فلا يلقى إلا الخسارة والوبال ، وإلى هذا يشير حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه : « لا يلدغ المؤمن من حجر واحد مرتين » رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة « 2 » ، ولا يعرض عن الانتفاع
هامش
( 1 ) من الأمثال . انظر : مجمع الأمثال للميدانى ( 1 / 481 ) . ( 2 ) رواه أحمد ( 3 / 77 ) والبخاري ( 6133 ) ومسلم ( 2998 ) وأبو داود ( 4862 ) وابن ماجة ( 3982 ) وابن حبان ( 663 ) والبيهقي في « الشعب » ( 10954 ) والطبراني في « الأوسط » ( 78 ) والدارمي ( 2781 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه .
نظرات في كتاب الله — صفحة 400 | حسن البنا