بالآيات والنذر إلا الجاحدون الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم ، واللّه تبارك وتعالى يقول :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ يونس : 101 ] . ولو أن المسلمين راجعوا تاريخهم وتاريخ الأمم السابقة والمعاصرة وأنعموا في ذلك النظر لخلصوا بكثير من العبر ، ولاستطاعوا أن يجدوا في صفحات التاريخ دروسا وافية تدفعهم إلى العمل وتجنبهم الأخطاء والزلل ، ولو ذهب الباحث يستقصى ذلك لأعجزه حصره ، ولقد علم الناس لو يتعلمون .
ولا نريد أن نفيض في ذكر حوادث التاريخ وعبره فذلك ما لا يستطاع ، ولكنا نلفت أنظار المسلمين إلى عبرتين واضحتين في التاريخ الحديث : واحدة تتصل بتاريخهم وحياتهم ، والثانية تتصل بتاريخ غيرهم وحياته .
[ عبرة من تاريخ المسلمين المعاصر ]
قامت الحرب العالمية الماضية سنة 1914 - 1918 وللمسلمين حكومة جامعة ، ودولة واسعة ، ووحدة قائمة ، وإن كان قد دب في ذلك كله : الضعف والوهن ، ولكنهم زادوا هذا الضعف ضعفا بتفرقهم وتباغضهم وتحاقدهم ؛ ونسيانهم الأخوة الإسلامية ، ورابطة الدين والعقيدة التي هي أقدس الروابط وأوثق الوشائج والصلات ، ودب فيهم دبيب الفكرة العنصرية ، فالأتراك يحاولون تتريك عناصر الدولة ، وإظهار الشعائر ( الطورانية ) « 1 » ، والعرب يحلمون بالاستقلال على أساس من الوحدة العربية ، وبذلك دب إلى النفوس الإسلامية داء الأمم من قبل : البغضاء وفساد ذات البين التي تفسد أمر الدنيا والدين ، وهبت عواصف الحرب فزادت دسائسها ومكائدها النفوس جفوة وتباعدا ، وكان أن ثار العرب على الحكومة التركية ، وصار المسلمون قسمين ، كل قسم إلى وصف عدو من أعداء دينهم وقوتهم وجامعتهم ، وانتهت الحرب بتفريق جامعتهم ، وضياع الرسم الباقي من خلافتهم وانحلال حكومتهم ، وكان ذلك جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم ، ومثلة منذرة بعاقبة المقصرين المفرطين .
هذه عبرة من تاريخنا يجب أن نطيل إليها النظر في هذا العصر الذي لا يعيش فيه إلا الأمم القوية بعددها وعددها ورابطتها وإيمانها ، ونعمل جاهدين لإحياء الجامعة الإسلامية
هامش
( 1 ) أي إحياء العادات واللغة التركية ، وتغليبها على العربية ، عصبية للجنس التركي .