تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩

[ علة جحود منكري البعث ]

ثم وضحت الآية الكريمة سر ذلك الجحود وسببه فقال تبارك وتعالى :
( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ )
، فالسبب الأول لجحودهم البعث : هو كفرهم باللّه تبارك وتعالى ، وعدم تقديرهم لعظمته وجليل قدرته ، فلو علموا أن قدرته تبارك وتعالى فوق التقيد بالأسباب والوسائط العادية ، وأنه ما شاء فعل
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] لهان عليهم الخطب ، ولوجدوا أن هذا المعاد أمر داخل في حيز القدرة لا غرابة له ولا مشقة
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
[ الروم : 25 - 26 ] ، ولكنهم لما كفروا باللّه ، وظنوا عدم القدرة ، أو عدم كمالها ، أو إنكار العلم ، أو إنكار كماله ، أو إنكار الصدق ، إلى غير ذلك من صفات الكمال التي يتصف بها الباري جل وعلا ، لما كانت عقيدتهم في ربهم هكذا : صعب عليهم أن يتصوروا سهولة الإعادة بعد الموت .
( وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ )
وسبب آخر : هو الجمود الذي استولى عليهم ، فلم يطلقوا لعقولهم عنان الفكرة ، ولم يتأملوا فيما بين أيديهم وما خلفهم ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من دلائل القدرة ، ورضوا بالتقليد الأعمى لأسلافهم وآبائهم ، وجمدوا على ما ورثوا من فاسد عقائدهم ، لما وضعوا في أعناقهم من هذه القيود والأغلال من التقليد والجمود : لم يكن لهم مجال إلى إدراك الحقيقة الواضحة ، حقيقة الإيمان بالمعاد ، والتسليم بالبعث والنشور ، فتكون الآية على ذلك كناية عن الجمود والتقليد ، المانع عن إدراك الحق ، وتعرف أصوله وقواعده ، وبنحو هذا قال الأصم وتؤيده الآية الكريمة في سورة يس :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
[ يس : 8 ] . قال أبو عبيدة : هو مثل ضربه اللّه لهم في امتناعهم عن الهدى ، كامتناع المغلول ، وقال الشاعر : « لهم عن الرشد أغلال وأقياد » ولا ريب في أن الجمود أشد ما يبعد الناس عن إدراك الحقائق . وذهب جمهور المفسرين إلي : أن الآية على ظاهرها ، وأنها وعيد لهؤلاء الجاحدين على جحودهم ، وتصوير لحالهم يوم القيامة ، وبيان لما ينتظرهم من عذاب ، فهو من قبيل