تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤

[ استواء الله على العرش ]

( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ )
قال صاحب المنار - رحمه اللّه : في مثل هذه الآية من سورة الأعراف بعد كلام في المعنى اللغوي للاستواء والعرش وإيراد للآيات التي ذكر فيها ذلك ما نصه : « لم يشتبه أحد من الصحابة في معنى استواء الرب تعالى على العرش على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق ، إذ كانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السماوات والأرض له وانفراده هو بتدبيره . وأن الإيمان بذلك لا يتوقف على معرفة ذلك التدبير أو صفته ، وكيف يكون ؟ بل لا يتوقف على وجود عرش . . ولكن ورد في الكتاب والسنة : أن للّه عرشا خلقه قبل خلق السماوات والأرض ، وأن له حملة من الملائكة فهو كما تدل اللغة مركز تدبير العالم كله . قال تعالى في سورة هود :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ هود : 7 ] . ولكن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل كانت مانعة لكل منهم أن يتوهم أن في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشبيه للخالق بالمخلوق . كيف وإن بعض القرائن الضعيفة لفظية أو معنوية تمنع في لغتهم حمل اللفظ على معناه البشرى ، فكيف إذا كان لا يعقل ؟ وكيف والاستواء على الشيء مستعمل في البشر استعمالا مجازيا وكنائيا كما تقدم ؟ والقاعدة التي كانوا عليها في كل ما أسنده الرب تعالى إلى نفسه من الصفات والأفعال التي وردت اللغة في استعمالها في الخلق : أن يؤمنوا بما تدل عليه من معنى الكمال والتصرف ، مع التنزيه عن تشبيه الرب بخلقه ، فيقولون : إنه اتصف بالرحمة والمحبة ، واستوى على عرشه بالمعنى الذي يليق به ، لا بمعنى الانفعال الحادث الذي نجده للرحمة والحب في أنفسنا ، ولا ما نعهده بالاستواء والتدبير من ملوكنا . وحسبنا أن نستفيد من وصفه بهاتين الصفتين أثرهما في خلقه ، وأن نطلب رحمته ، ونعمل ما يكسبنا محبته ، وما يترتب عليهما من مثوبته وإحسانه ، ونستفيد من الاستواء على عرشه كون الملك والتدبير له وحده فلا نعبد غيره ، ولذلك قرنه في آخر آية